
كتب كاظم عبد النبي: لم تعد التكنولوجيا في زمننا مجرد أدواتٍ صامتة، ولا وسائل عابرة للترفيه والتواصل، بل غدت قوةً تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، تعيد تشكيل العادات، وتؤثر في الأذواق، وتراقب الحركات، وتعيد رسم حدود الحرية من حيث لا نشعر.
فما قُدِّم للإنسان بوصفه فتحاً حضارياً واعداً، يحمل في داخله وجهاً آخر أكثر غموضاً، وجهاً يتخفّى خلف البريق والسرعة والراحة، لكنه يمارس نفوذاً ناعماً وعميقاً على الوعي والسلوك معاً.
لقد دخلت منصات مثل “Facebook” و”Telegram” و”Instagram” و”TikTok” و”WhatsApp” إلى أدق زوايا الحياة، حتى لم يعد الإنسان يحمل هاتفه فقط، بل صار الهاتف يحمل جزءاً من حياته، صورُه، أسراره، رغباته، صداقاته، انفعالاته، أوقاته، وحتى لحظات ضعفه، كلها أصبحت قابلة للتخزين والتحليل والاستثمار، وهكذا انتقلت التكنولوجيا من كونها أداةً في يد الإنسان، إلى فضاءٍ يحيط به ويعيد تعريفه.
هنا نستعيد رؤية يورغن هابرماس، حين تحدث عن العلم والتقنية بوصفهما قد يتحولان إلى أيديولوجيا، فالتقنية، في ظاهرها، لغةُ الكفاءة والتنظيم والتقدم، لكنها قد تُستخدم لإخفاء أشكال جديدة من الهيمنة.
وما يحدث اليوم يكشف هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ لم تعد المنصات الرقمية تمنح خدمات مجانية فحسب، بل تجمع البيانات، وتقرأ أنماط السلوك، وتعيد توجيه الرغبات، وتحدد ما نراه وما لا نراه، حتى أصبح الإنسان مادةً خاماً داخل اقتصاد رقمي واسع.
غير أن الصورة تزداد عمقاً حين نقترب من تحليل ميشيل فوكو، في كتابه المراقبة والمعاقبة، فقد بيّن كيف تحولت السلطة عبر التاريخ من القمع الظاهر إلى الرقابة الدقيقة، ومن السوط إلى العين الخفية، واستعار نموذج “البانوبتيكون”، ذلك السجن الذي يستطيع فيه الحارس أن يرى الجميع من غير أن يراه أحد، فيعيش السجناء تحت احتمال المراقبة الدائم، فيؤدبون أنفسهم بأنفسهم.
أليس هذا هو المشهد الرقمي المعاصر؟ فالمستخدم يعلم أن منشوراته محفوظة، وأن تعليقاته قابلة للأرشفة، وأن صوره قد تُنسخ، وأن تحركاته يمكن تتبعها، وأن كلماته تُقرأ عبر الخوارزميات.
عندها يبدأ بتعديل سلوكه من تلقاء نفسه، ينتقي عباراته، ويخفي انفعالاته، ويخشى الزلل، ويراقب ذاته قبل أن يراقبه الآخرون.
لم تعد السلطة بحاجة إلى جدار عالٍ أو شرطي يقف عند الباب؛ يكفيها جهاز صغير في الجيب.
ثم إن الخطر لا يقف عند حدود الشركات التقنية، بل يمتد إلى من أدركوا قوة هذه المنصات من رجال السياسة وأصحاب النفوذ ومهندسي الدعاية.
فقد صارت الساحة الرقمية ميداناً لصناعة الجيوش الإلكترونية، ونشر الشائعات، وتشويه السمعة، وخلق الاستقطاب، وتوجيه الرأي العام بوسائل لا تُرى.
هناك تختلط الحقيقة بالصوت الأعلى، والمعرفة بالتكرار، والحرية بالتلاعب، حتى يغدو المتلقي متردداً بين ما يصدق وما يشك فيه.
ومع ذلك، فإن العدل الفكري يقتضي القول إن المأساة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، فهي في أصلها قدرة بشرية عظيمة، يمكن أن تخدم العلم والصحة والتعليم والتواصل.
إنما الخلل يبدأ حين تنفصل التقنية عن الأخلاق، وحين تُستخدم بلا قانون، وحين يتحول الإنسان من سيد للأداة إلى تابع لها.
فالهاتف ليس شريراً، والمنصة ليست آثمة، لكن سوء الاستخدام قادر على تحويل النعمة إلى عبء، والوسيلة إلى قيد.
ومن المهم التأكيد أن المجتمع العراقي، رغم ما مرّ به من أزمات وتحولات، لا يزال مجتمعاً أخلاقياً ودينياً في جوهره، تسنده قيم الأسرة، واحترام الكبير، وصلة الرحم، والحياء الاجتماعي، والتكافل، وتعظيم المقدسات.
وهذه القيم لم تذب في زحام العصر، بل بقيت حيةً في ضمير الناس، تشكل حصناً معنوياً في وجه الفوضى الرقمية والانفلات القيمي.
إن المشكلة ليست في هوية المجتمع العراقي، ولا في أصالته الثقافية، ولا في دخوله عالم التكنولوجيا، بل في محاولات توظيف هذه الوسائل على نحوٍ يتعارض مع القيم الإنسانية، فعندما تُستخدم المنصات للابتزاز، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، ونشر الفتن، وترويج الانحلال، يكون الخلل في اليد التي تستخدم الأداة، لا في الأداة نفسها.
لهذا فإن المواجهة الحقيقية لا تكون برفض التقنية ولا بالهروب من العصر، بل ببناء وعيٍ رقمي أخلاقي.
وعي يبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الأبناء معنى المسؤولية، ويمر بالمدرسة حيث تُصان العقول من السذاجة الرقمية، ويتعزز عبر الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية التي تزرع قيمة الحرية المنضبطة والمعرفة الناقدة.
نحتاج إلى أجيال تعرف كيف تستفيد من التكنولوجيا من دون أن تستعبدها، وكيف تحمي بياناتها ووقتها وسمعتها وعقلها.
إن المجتمع العراقي قادر على أن يواكب العصر من غير أن يفقد روحه، وأن يستثمر التكنولوجيا من غير أن يسمح لها بابتلاع قيمه، فالأمم لا تُقاس بعدد التطبيقات التي تحملها هواتفها، بل بقدرتها على حماية الإنسان من العبث، وصيانة الأخلاق من التآكل، وجعل التقدم خادماً للكرامة لا سيداً عليها.
لقد حذر يورغن هابرماس، من هيمنة العقل التقني، وكشف ميشيل فوكو آليات الرقابة الحديثة، ونحن اليوم نعيش تقاطع التحذيرين معاً: تقنيةٌ تُغري، وسلطةٌ تراقب، وإنسانٌ يبحث وسط الضجيج عن مساحة آمنة ليبقى حراً.
وفي هذا البحث تتحدد قيمة المستقبل، فإما إنسانٌ يقود الآلة، وإما آلةٌ تعيد تشكيل الإنسان.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



