مقالات
أخر الأخبار

المؤسسات تصنع الدول

كتبت سوسن الجزراوي.. في نظرية البطولة المطلقة، يرتبط مصير الدولة بشخص واحد في الكثير من دول العالم، فإذا ارتقى القائد ونجح، صعدت الدولة معه، وإذا فشل وخذلته الظروف، دخلت البلاد في فوضى واضطراب مقلق.

 

وهكذا فإن الدول التي نجحت في الاستمرار والتطور لعقود طويلة، فهي غالباً تلك التي جعلت المؤسسات أقوى من الأفراد، والانتماء إلى قوتها أهم من الانتماءات الشخصية، بحيث يبقى النظام قائماً حتى وإن تغيرت الحكومات والقيادات.

وتُعد هذه الفكرة، واحدة من أهم أسرار الاستقرار السياسي والاقتصادي في العصر الحديث.

فالمؤسسة تعني وجود نظام واضح يعمل وفق قوانين وإجراءات محددة، لا وفق رغبات الأشخاص أو مزاجاتهم ومصالحهم، فعندما تكون المؤسسة قوية، يصبح الموظف أو المسؤول مؤدياً لدوره ضمن هيكل منظم، ويمكن استبداله دون أن تتوقف الدولة أو تنهار الخدمات.

أما عندما تعتمد الدولة على شخص واحد ليكون محوراً رئيسياً، فإن كل شيء يصبح مرتبطاً بوجوده، وتتحول القرارات إلى ردود أفعال فردية بدل أن تكون نتيجة تخطيط طويل المدى.

وفي أغلب الأحيان وعلى مر الأزمنة، تظهر قوة المؤسسات وتحديداً في الأوقات الصعبة، مثل الأزمات الاقتصادية والحروب والكوارث الطبيعية، هذه التي تحتاج إلى أجهزة قادرة على العمل بسرعة وتنظيم وخطط موضوعة ومدروسة، فإذا كانت (المؤسسات) ضعيفة، يظهر الارتباك والفساد، وتتوقف القرارات بانتظار توجيهات من الأعلى، أما إذا كانت قوية، فإن كل جهة تعرف دورها وحدود مسؤوليتها، فتستمر الدولة بالعمل حتى في أصعب الظروف.

ومن أهم مزايا المؤسسات القوية، أنها تمنع احتكار السلطة، فالقانون يكون أعلى من الجميع، ومع وجود جهات رقابية وقضائية وإدارية، يُمنع أي فرد من السيطرة المطلقة، وهذا لا يعني غياب القيادة، بل يعني أنها تعمل وفق نظام متوازن يحمي الدولة من أخطاء الأفراد.

فالإنسان مهما كان ذكياً ومتمكناً، يبقى معرضاً للخطأ، بينما نجد أن المؤسسة الجيدة تملك آليات موزونة تمنع انهيارها، كذلك تساعد المؤسسات على بناء الثقة بين المواطن والدولة، عندما يعلم الناس أن حقوقهم محفوظة بالقانون، وأن الخدمات لا تعتمد على العلاقات الشخصية أو الوساطات، حينها يشعرون بالأمان، أما حين تصبح القرارات مرتبطة بالأشخاص، فإن غالبية الأمور تصاب بالضعف، وتزداد الفوضى، لأن كل مسؤول قد يغيّر القوانين أو يفسرها حسب أهواءه ورؤاه.

وتعد المؤسسات القوية عاملاً أساسياً لجذب الاستثمار والتنمية وتقوية الاقتصاد، لأن المستثمر دائم البحث عن بيئة مستقرة وواضحة، يعرف فيها أن العقود محترمة وأن القوانين ثابتة، لذلك نلاحظ أن الدول ذات المؤسسات المستقرة غالباً ما تحقق نمواً أكبر، لأنها تبني اقتصاداً يعتمد على النظام والاستمرارية لا على المزاج السياسي المؤقت.

ومع ذلك فإن بناء (المؤسسات) ليس أمراً سهلاً، فهو يحتاج إلى تعليم جيد، وقوانين واضحة، وشفافية، ومحاسبة (غير مؤجلة)! وثقافة تؤمن بأن الدولة أكبر من أي فرد.

كما أن هذا البناء، يحتاج إلى وقت طويل حتى تترسخ الثقة بين المجتمع والمؤسسات كي لا تفشل بعض الدول في بناء نظام مستقر بتركيزها على الأشخاص أكثر من بناء الهياكل الدائمة.

وقد أثبت التاريخ عبر عقود كثيرة، أن الأشخاص مهما بلغت قوتهم يرحلون في النهاية، بينما تبقى المؤسسات إذا كانت مبنية بشكل صحيح، فالدول التي استمرت ونجحت عبر الزمن لم تعتمد على بطل واحد، بل على أنظمة قادرة على إنتاج قادة جدد والحفاظ على الاستقرار رغم التغييرات السياسية.

لذلك فإن قوة الدولة الحقيقية لا تُقاس فقط بقوة زعيمها، بل بقدرة مؤسساتها على العمل والاستمرار دون أن تتأثر بغياب الأشخاص.

ختاماً، يمكن القول إن بناء المؤسسات القوية هو الطريق الحقيقي نحو الاستقرار والتقدم، فالدول التي تجعل القانون والنظام فوق الجميع تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية وحماية مستقبلها، أما الدول التي تربط كل شيء بالأفراد، فإنها تبقى معرضة للتقلبات والانقسامات مع كل تغيير سياسي أو اجتماعي.

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى