مقالات
أخر الأخبار

ما بعد القمة: حين اكتشفت القوى الكبرى أن العالم تغيّر

بقلم: نهاد الزركاني

لم تعد القمم الدولية مجرد صور دبلوماسية أو بيانات سياسية مكتوبة بعناية خلف أبواب مغلقة، بل أصبحت لحظات يكشف فيها التاريخ عن مساره الجديد بهدوء.

 

وما جرى بين الولايات المتحدة والصين لم يكن لقاءً عادياً بين {دولتين عظميين}، بل كان اعترافاً غير معلن بأن العالم الذي وُلد بعد نهاية الحرب الباردة بدأ يتآكل ببطء.

لفترة طويلة اعتقدت أمريكا أن النظام الدولي يمكن أن يبقى تحت إدارة قطب واحد …..قوة واحدة تحدد الاقتصاد والسياسة والحروب وحتى شكل الأحلام التي يجب أن تعيشها الشعوب، لكن الصين لم تصعد كجيش يقترب من الحدود بل كفكرة تتسلل إلى عمق الاقتصاد العالمي إلى (المصانع) و(التكنولوجيا) و(الطاقة) و(الأسواق) حتى أصبحت مواجهتها تعني مواجهة جزء من العالم نفسه.

هنا أدركت واشنطن معضلة لم تكن موجودة في صراعاتها السابقة: لا يمكن إسقاط الصين بسهولة، ولا يمكن التعايش مع صعودها بلا حدود، ومن هذه النقطة وُلد الشكل الجديد للصراع….. صراع لا يريد (الانفجار الكامل ولا يستطيع الوصول إلى السلام الكامل) إنه عصر (إدارة التنافس) لا حسمه.

في ظاهر المشهد كان الحديث يدور حول التجارة والرقائق الإلكترونية والاقتصاد، لكن العمق الحقيقي كان أبعد من ذلك بكثير، كان السؤال الخفي في القمة: من (سيكتب شكل القرن القادم)؟ أمريكا تدرك أن تفوقها العسكري وحده لم يعد كافياً، وأن القوة في هذا العصر انتقلت من (حاملات الطائرات) إلى (الذكاء الاصطناعي) (البيانات) (أشباه الموصلات)، أما الصين فهي لا تتصرف كقوة تبحث عن انتصار سريع بل كحضارة تراهن على الزمن الطويل،
حرب الأربعين يوماً التي قلبت الطاولة….

وبينما كانت واشنطن وبكين تتصارعان بصمت على تقنيات المستقبل، اشتعلت في الشرق الأوسط حرب لم تكن في حسبان أحد، ففي صباح يومٍ ما انطلقت الضربات الأمريكية “الإسرائيلية” المنسقة على إيران، كانت البداية حرباً خاطفة في التصور لكنها تحولت إلى واحدة من أطول وأعقد المواجهات في تاريخ المنطقة الحديث حرب الأربعين يوماً.

لم تكن إيران وحدها من قاتل، فبعد الأيام الأولى فتح حزب الله جبهة الشمال، وأنصار الله جبهة الجنوب والمقاومة العراقية جبهة الشرق، أمريكا، التي ظنت أن حاملات طائراتها وأسلحتها الذكية كفيلة بحسم المعركة خلال أسبوع، وجدت نفسها تواجه عدواً تعلم كيف يضرب حيث لا تتوقع وكيف يحول المدن إلى ساحات استنزاف، وكيف يغلق مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط.

في اليوم العاشر، أعلنت إيران إغلاق المضيق، ارتفعت أسعار النفط ثلاثة أضعاف، الاقتصاد العالمي (بدأ يرتجف)، وفي اليوم الأول من الحرب، استهدفت المسيّرات الإيرانية والصواريخ قاعدة جوية أمريكية في الخليج وأصابت حاملة طائرات في الخليج، لم تكن هذه ضربات رمزية بل كانت إعلاناً أن أمريكا لم تعد آمنة في قواعدها.

بحلول اليوم الثلاثين، كانت واشنطن قد استنزفت ذخائر دقيقة التوجيه، وخسرت طائرات بدون طيار، وسقط لها جنود، الرأي العام الأمريكي بدأ يصرخ بالانسحاب، لكن الخروج لم يعد سهلاً، لأن الخصم أمسك بورقة تهدد العالم بأسره.

في اليوم الأربعين بطلب من أمريكا إلى باكستان وبوساطة صينية روسية غير معلنة تم وقف إطلاق النار، إيران لم تُهزم، بل خرجت من الحرب أكثر قوة وأكثر هيبة، وأمريكا لم تنتصر، بل خرجت مرهقة، محرجة، ومكشوفة الأوراق.

كيف خدمت هذه الحرب الصين؟

 

هنا يكشف السؤال الأعمق: أين كانت الصين خلال هذه الأربعين يوماً؟

الصين لم تطلق صاروخاً واحداً لكنها كانت الرابح الأكبر من هذه الحرب، وكيف لا؟

أولاً: استنزاف الخصم الأكبر، كل طائرة أمريكية أُسقطت، وكل صاروخ باهظ الثمن أُطلق على إيران، كان يذهب إلى غير رجعة، ترسانة أمريكا ليست لا نهائية وقدرتها على التركيز في جبهة المحيط الهادئ ضد الصين تراجعت بشكل كبير، حرب 40 يوماً في الخليج كلفت أمريكا أكثر من 11 مليار دولار، وأشغلت ثلث أسطولها، بينما الصين كانت تتدرب (تنتج رقائق) و(تبني حاملات طائرات جديدة في بحر الصين الجنوبي دون منافسة).

ثانياً: إيران لم تكن مجرد خصم لأمريكا بل كانت حليفاً صينياً غير معلن، خلال الحرب، زودت الصين إيران بمعلومات استخباراتية عبر أقمارها الصناعية، ووفرت قطع غيار لأنظمة دفاع جوي سبق أن باعتها لطهران سراً، لم تعلن الصين ذلك، لكنّ نجاح إيران في إصابة أهداف أمريكية حساسة كان دليلاً صامتاً على دعم متطور لم يكن ليتوفر بدون بكين.

ثالثاً: الصين أصبحت الوسيط الوحيد، بعد فشل كل الوساطات الأوروبية والعربية، كان الرئيس الصيني هو الوحيد القادر على الاتصال بالمرشد الأعلى الإيراني، والطلب منه وقف إطلاق النار مقابل وعود باستثمارات وشراء نفط، وعندما انتهت الحرب، كانت الصين هي من نظم القمة مع أمريكا، ليس كطرف ثالث، بل كطرف يملك مفاتيح التهدئة والتصعيد معاً.

رابعاً: شروخ في التحالفات الأمريكية، دول الخليج، التي كانت تنظر إلى أمريكا كحامٍ مطلق رأت خلال حرب الأربعين يوماً أن أمريكا عاجزة عن حماية قواعدها وحلفائها، بدأت هذه الدول تهرول سراً نحو بكين، طالبة أنظمة دفاع جوي صينية، وموافقة على الانضمام إلى مجموعة (بريكس) الموسعة، النفوذ الأمريكي في المنطقة لم يعد كما كان.

لحظة القمة: أمريكا المستجدية والصين الممسكة بالخيوط

 

وهكذا عندما جلس الرئيسان الأمريكي والصيني على طاولة القمة الأخيرة، لم تكن الصورة هي نفسها قبل الحرب، أمريكا كانت بحاجة إلى هدنة اقتصادية وتكنولوجية وإلى تعاون صيني في تهدئة إيران وفتح المضيق، أما الصين، فكانت تبتسم بهدوء.

الرئيس الصيني لم يقل (لقد انتصرنا) لكن كل بند من بنود القمة كان يحمل ظلالاً من حرب الأربعين يوماً:

○ملف الطاقة: أمريكا طلبت من الصين الضغط على إيران لزيادة إنتاج النفط لخفض الأسعار، وفي المقابل تنازلت عن بعض العقوبات على شركات صينية.

○ملف التكنولوجيا: الصين طالبت بوقف قيود تصدير الرقائق المتقدمة، وأمريكا وافقت جزئياً مقابل تعهد صيني بعدم بيع أسلحة لإيران خلال عام.

○ملف الشرق الأوسط: أمريكا اعترفت ضمناً بـ (دور إقليمي للصين) في المفاوضات المستقبلية، وهو اعتراف لم تكن لتقدم عليه قبل الحرب.

الحقيقة المؤلمة التي لم تعلنها القمة: (إيران كانت ورقة الصين الرابحة) الرد الإيراني على أمريكا و”إسرائيل” لم يكن مجرد معركة دفاعية، بل كان ((خدمة عسكرية ودبلوماسية)) للصين الحليف، فبينما دمّرت الصواريخ والمسيّرات قواعد أمريكا في الخليج، كانت المصانع الصينية تنتج رقائق الذكاء الاصطناعي بسلام، وبينما كان جنود أمريكا يموتون في رمال الشرق الأوسط كانت حاملة الطائرات الصينية الجديدة تبحر قبالة سواحل تايوان دون رقيب.

خاتمة: عالم جديد من تحت الرماد

 

ربما هذه هي الحقيقة التي لم تُعلن بوضوح: العالم دخل مرحلة لم يعد فيها أحد قادراً على حكم الأرض وحده ولا أحد قادراً على إقصاء الآخر بالكامل، إنه زمن القوى المتشابكة، حيث تُدار الحروب بالعقوبات وتُرسم الحدود بالتكنولوجيا ويصبح الاقتصاد ساحة المعركة الأكثر خطورة في التاريخ الحديث.

لكن حرب الأربعين يوماً كشفت شيئاً آخر: أن الشرق الأوسط، الذي ظن الجميع أنه أصبح هامشياً، لا يزال قادراً على قلب موازين القوى الكبرى، فكل صاروخ أطلق من اليمن أو لبنان أو إيران لم يكن يصيب هدفاً عسكرياً فحسب، بل كان يصيب المكانة الأمريكية في قممها مع الصين.

اليوم، بعد القمة، تعرف أمريكا سراً لم تكن تعرفه قبل الحرب: أنها لم تعد القطب الوحيد، والصين لم تعد القادم الجديد، إيران أثبتت للجميع أن أمريكا قابلة للاستنزاف، والصين استثمرت هذا الدرس قبل أي أحد.

الشرق الأوسط لم يعد ساحة للمعارك الثانوية، بل أصبح مختبراً لحروب المستقبل، حيث تختبر القوى العظمى حدود بعضها قبل أن تلتقي على طاولة المفاوضات، وهذه المرة، كان الصينيون هم من يقرأون النتائج قبل أن تعلن القمة، والأمريكيون هم من يدفعون الثمن.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى