مقالات
أخر الأخبار

حين تدار الحروب بصمت… كيف يستهدف وعي الأمة قبل أرضها؟

كتب السيد رسول الياسري .. خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى [الحلقة السابعة]..

حين تدار الحروب بصمت… كيف يستهدف وعي الأمة قبل أرضها؟

أيها الإخوة الكرام، في هذه الحلقة، أرى عتبا ممزوجا بالألم في خطاب المرجعية الدينية الرشيدة، حين يفكك مضمون خطابها، ولا يفهم ضمن سياق متواصل، ولا يستحضر من خلال مواقفها السابقة، بل وحتى خطاباتها الماضية، التي كانت أبلغ من كثير من الأقوال

ومن تلك المواقف : تعازيها لقادة المحور، تلك التعازي التي شهد بعظمتها حتى من لا ينتمي إلى هذا النهج، فضلا عن غيرهم، لما حملته من صدق إنساني، ووفاء مبدئي، ورؤية تتجاوز الانتماءات الضيقة

وهي – أي المرجعية – التي نبهت مبكرا إلى خطورة الغزو على مختلف مستوياته، ولم تقتصر على التحذير من بعد من أبعاده دون آخر، بل كشفت عن طبيعة المخططات الشيطانية التي تحاك للعراق والمنطقة

وقد ورد في أحد خطاباتها، في سياق التحذير من تلك المخططات الشيطانية المعدة بداية عام ٢٠١٣، عبارة لا تزال ترن في عقلي وقلبي، حيث قالت: على المجتمع أن يتوقع جميع الاحتمالات؛ لأن الذين أعدوا هذه المخططات، والذين سينفذونها، ليسوا عقلاء

وهذه العبارة، على قصرها، تختزن وعيا استراتيجيا عميقا، وتنبيها بالغ الخطورة، يكشف عن حجم التحديات، ويدعو إلى أعلى درجات اليقظة والاستعداد

وما ذكرته المرجعية الدينية من إشارة إلى ما سمته بالصفرين، التي تناولتها عام 2000 ميلادي، والتي كانت ضمن سلسلة محاضرات ممتدة إلى زماننا هذا، والتي أتمنى على الجميع مراجعتها – وهي سلسلة محاضرات نحن والغرب – فيها من الألم ما فيها، حيث إن المجتمع لديه تفكير لحظي، فيغيب عنه الكم الكبير والضخم من التربية والتوعية للأمة، والتي سأسلط الضوء على بعض منها في هذه الحلقة، حيث تمثل هذه الحلقة ترجمة لمجموعة خطابات سابقة للمرجعية الدينية الرشيدة

أيها الإخوة الأعزاء،لم تعد الحروب في عصرنا تقتصر على صوت الرصاص ودوي المدافع، بل تحولت إلى منظومات معقدة تدار بعقول باردة، وتنفذ بأساليب ناعمة وخشنة في آن واحد ، تستهدف الإنسان قبل الأرض، والعقل قبل السلاح، والهوية قبل الحدود

وإذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يجري في عالمنا الإسلامي، فلا بد أن نقرأ المشهد من زاوية قرآنية واعية، كما عودتنا مرجعيتنا الكريمة، لتكشف لنا أن الصراع مع قوى الاستكبار لم يكن يوما عفويا، بل هو مشروع متكامل متعدد الأبعاد، وقد بينت المرجعية ذلك في كلمات ومحاضرات ودروس كثيرة، منها تفسير قوله تعالى:﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىٰ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217)

فهذه الآية لا تتحدث عن معركة عابرة، بل عن استمرارية مشروع المواجهة، وتنوع أدواته بحسب الزمان والمكان

أولا: الهيمنة العسكرية تحت عناوين خادعة
كحماية الشعوب، ونشر الديمقراطية، أو مكافحة الإرهاب

وحين تلبس الهيمنة لباس الحماية، فإنها تكون من أخطر صور الحروب المعاصرة؛ لأن حقيقتها فرض النفوذ والسيطرة حتى على القرار السياسي

وهذا ما أشار إليه القرآن حين كشف طبيعة القوى المتجبرة:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 4)

فالعلو في الأرض لا يكون بآلات الحرب المعهودة فقط، بل بفرض الإرادة على الشعوب، وتحويلها إلى كيانات تابعة فاقدة للسيادة

ثانيا: الهيمنة الاقتصادية
فحين يستعبد الإنسان برغيفه
لم تعد السيطرة بحاجة إلى احتلال مباشر، بل يكفي التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي:عبر المؤسسات المالية الدولية،
وعبر التحكم بأسعار الطاقة،
وعبر التلاعب بالعملات،
حتى تصبح الشعوب رهينة القرار الخارجي

والقرآن الكريم وضع قاعدة في التعامل مع هذا النوع من الهيمنة برفضها، كما في قوله تعالى:﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7)

فالآية تحذر من احتكار الثروة داخل المجتمع الإسلامي من باب المثال، لا من باب كونه المصداق الوحيد، بل هو نوع من رفض هذه الهيمنة حتى بين بعض المسلمين من أهل الجشع، فكيف إذا كان الاستقواء من قبل الأعداء؟!

نعم، لقد أصبح الاحتكار عالميا، تدار به الدول وتخضع به الإرادات

ثالثا: إشعال الحروب الداخلية وتفتيت الأمة من داخلها

فحين يعجز العدو عن المواجهة المباشرة، يلجأ إلى تفجير المجتمعات من الداخل فيسعى إلى أيجاد :
حروب مذهبية،
صراعات قومية،
نزاعات عرقية،
حتى تتحول الأمة إلى كيانات متناحرة

وقد نبه القرآن إلى هذه الاستراتيجية بقوله:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)

فالعدو لا يحتاج إلى قتالك إذا نجح في جعلك تقاتل نفسك

رابعا: إشغال العقول بالجدل التافه، حيث قتل الوعي قبل قتلك

ومن أخطر أدوات الحرب الحديثة:
إغراق المجتمعات في نقاشات لا تنتج وعيا، ولا تبني مشروعا، بل تستهلك الوقت والطاقة، حتى لو لبست لباس الدين
قال تعالى:﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18) فحتى الكلمة محسوبة، فكيف إذا تحولت المجتمعات إلى ساحات جدل فارغ يبدد أعمارها؟!

خامسا: صناعة الملهيات
وهو تغييب الأمة عن دورها الحضاري
فإنهم يعتمدون أن تكون وسائل الترفيه إلى إدمان، فتصبح أداة تعطيل

نعم، إن إدمان مواقع التواصل،
والانغماس في الألعاب،واللهو المستمر بلا هدف، يفقد الأمة قدرتها على الإنتاج والتفكير

قال تعالى:﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ (الحجر: 3)

إن حالة الإلهاء المقصود تميت روح المسؤولية وهو ما نشاهده على أرض الواقع والوجدان كما يقال لا يحتاج إلى برهان

سادسا: الإفساد الأخلاقي
فإن الإستعمار من خلال الفساد الأخلاقي يهدم المجتمعات من جذورها، فقد تفشل الحروب في إسقاط أمة، لكن الانحلال الأخلاقي يفعل ذلك بلا صخب

لذا حذر القرآن الكريم منه كما في قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(النور: 19)

فالإفساد الأخلاقي ليس حالة فردية كما يتوهم البعض فيعرضون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل مشروع يراد له أن ينتشر؛ لأنه يدمر الإنسان من داخله

سابعا: التخريب الثقافي والعقائدي
وهو من أخطر أنواع الإستعمار والهيمنة وهو بلا شك أخطر من الاحتلال العسكري

فحين تستهدف العقيدة، يستهدف الأساس الذي تقوم عليه الأمة، وهذا ما جعل بعض من يدعون الإسلام – بل حتى التشيع – ممن تخلوا عن المعتقدات، لا يواكبون الأحداث، أو تكون مواكبتهم لها بطريقة سلبية

ولذا يسخر الإستعمار لذلك:
مفكرون مأجورون،
وأقلام منحرفة،
بل حتى بعض المنتسبين إلى الحواضر العلمية، والقرآن كشف سبب ذلك حيث
قال تعالى:﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109)

فالاستهداف الحقيقي هو تحويل الإنسان عن هويته وقيمه

أيها المؤمنون، أيها المثقفون، ياأصحاب الوعي والبصيرة، يجب أن يفهم المجتمع أن المعركة معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح

وإن ما نواجهه اليوم ليس حربا واحدة، بل منظومة حروب:
عسكرية،واقتصادية،وفكرية،وإعلامية، وأخلاقية

ولهذا فإن المواجهة لا تكون بالسلاح فقط، بل بـوعي قرآني عميق،وبناء علمي رصين،وتماسك اجتماعي،ويقظة ثقافية، تطبيقا لقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (آل عمران: 200)

فالمرابطة اليوم ليست فقط على الثغور العسكرية، بل على:ثغر الفكر،وثغر الإعلام،وثغر الأخلاق،وثغر الوعي، ولكل شخص ميدانه

أيها الأحبة،
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة ليس أن تهزم، بل أن لا تدرك أنها مستهدفة

فإذا استيقظ الوعي، سقطت كثير من أدوات الهيمنة، وإذا نام، استبيحت كل الجبهات

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين قال فيهم:
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (الزمر: 18)

وأن يرزقنا البصيرة في زمن الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى