مقالات
أخر الأخبار

“مدرسة أهل البيت (ع)”.. خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى

كتب السيّد رسول الياسري.. مدرسة أهل البيت (ع)… ملاذ السكينة وطريق النجاة في زمن الضلالة والفتن [الحلقة السادسة]

خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى

إن من أعظم الحقائق التي أكدها القرآن الكريم، وبينها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وجسدها أهل بيته عليهم السلام، أن الهداية الإلهية لا تنال إلا من أبوابها التي جعلها الله تعالى، وأن الأمن والسكينة والنجاة لا تتحقق إلا بالارتباط بالمصادر النقية التي لا يشوبها انحراف ولا تحريف

ومن هنا، كانت مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي القرى التي بارك الله فيها، والتي أشار إليها الله تعالى بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ (سبأ: 18)

حيث تمثل هذه القرى محطات الأمان، ومنازل الطمأنينة، التي يسير فيها الإنسان نحو الله تعالى وهو في حفظ من الضلال، وسلامة من الانحراف

وقد أكد القرآن الكريم أن النجاة لا تكون إلا باتباع الصراط المستقيم، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام: 153)

وهذا الصراط، كما بينته النصوص الشريفة، إنما يتجسد في خط النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، الذين هم الترجمة الحقيقية للقرآن الكريم، والناطقون به، والمبينون لمراد الله تعالى

أيها الأحبة الكرام، إن الابتعاد عن هذه المدرسة المباركة لم يكن أمرا عابرا في تاريخ الأمة، بل كان سببا رئيسا في وقوعها في التشتت والاختلاف، حتى وصل الأمر إلى أن يزيغ بعض المسلمين في تطبيق أبسط البديهيات التي دعا إليها الإسلام، كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)

فبدل أن يكون المسلمون يدا واحدة على من سواهم، أصبحوا فرقا متناحرة، واتجاهات متضادة، نتيجة الابتعاد عن المنهج الأصيل الذي يجمع ولا يفرق، ويهدي ولا يضل

ومن هنا نشأت صور متعددة ومشوهة من الفهم الإسلامي:
فمنها إسلام متحجر، لا يعرف من الدين حتى ظاهره، فراح يعادي المسلمين فضلا عن غيرهم، مخالفا صريح القرآن الكريم الذي قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (الممتحنة: 8)

بينما نجد المرتبطين بخط أهلِ البيت عليهم السلام، حتى في أقسى الظروف، يتميزون في التفريق بين الصهاينة وعموم من يختلف معنا في الدين؛ لكونه ليس كل كافر كافرا حربيا

وقد تجلت بعض هذه النماذج المنحرفة المتحجرة في جماعات متطرفة كـداعش ومن على شاكلتهم، التي قدمت صورة دموية مشوهة عن الإسلام

ومنها إسلام خضع لسلطة الجور، فصار من يدعون العلم ممن ينتمون إلى ذلك التوجه وعاظا وأبواقا للسلاطين، يبررون الظلم، ويزينون الانحراف، مخالفين بذلك نهج القرآن الذي قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113)

ومنها إسلام فارغ من مضمونه، حول الدين إلى طقوس جامدة، لا روح فيها ولا أثر، حتى أصبح أتباعه خاضعين لأعداء الإسلام، رغم وضوح عدائهم لله ورسوله، متناسين قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141)

وفي مقابل هذه الانحرافات، لا بد من الإشادة والتقدير لكل الأصوات الواعية من أبناء الأمةِ الإسلامية، التي بدأت تتحرر من القيود الفكرية والتاريخية الضيقة، سواء كانت قومية أم مذهبية، وسعت إلى بناء حالة من التعايش الواعي مع الآخر، ضمن الضوابط التي رسمها القرآن الكريم، القائل:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125)

إن هذا الانفتاح الواعي من كلا الطرفين لا يعني التنازل عن الحق، بل هو التزام بالمنهج القرآني الذي يرفض زخرف القول، ويحذر من الانخداع به، ويدعو إلى الانقياد للحجة والبرهان

ومن هنا، جاءت دعوة المرجعية الدينية الرشيدة واضحة وصريحة: ضرورة فهم القرآن الكريم من خلال ترجمته الحقيقية، وهم النبي وأهل بيته عليهم السلام، الذين إذا سئلوا استدلوا بالقرآن على القرآن، وكشفوا عن معانيه، ورفعوا الغموض عن آياته، وأعادوا الإنسان إلى الفهم الأصيل النقي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 19)

وكان هذا البيان متجسدا في سيرة النبي وآله عليهم السلام، فهم القرآن الناطق، والميزان الذي تعرض عليه الأفكار، فما وافقه قبل، وما خالفه رد

إن العودة إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليست خيارا مذهبيا ضيقا كما يظنه البعض، مع شديد الأسف، بل هي ضرورة إسلامية كبرى؛ لحفظ وحدة الأمة، وتصحيح مسارها، وإعادة بناء وعيها على أساس القرآن الكريم، بعيدا عن الانحرافات والتأويلات الباطلة

فهي المدرسة التي تمنح السكينة بدل القلق، والوقار بدل التشتت، والنجاة من كل ما يخاف، والوصول إلى كل ما يرجى لذا، فيفترض برجالات الحوزة الشريفة أن يعدوا نخبة متمرسة على الحوار والنقاش المهذب، البعيد عن التهجم، الذي لا ينتج إلا مزيدا من التشدد والبغضاء؛ لأن العدو حين يخسر المعركة العسكرية سيعود إلى ما كان عليه من خلق أجواء التناحر المذهبي، لإشغال المسلمين بعضهم ببعض، وتحقيق أعلى مستوى من القطيعة بينهم

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بولايتهم، والسائرين على نهجهم، والثابتين على خطهم، إنه سميع مجيب

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى