
كتبت نرمين المفتي: حين يتحدث رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو أو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، بلغة الآمر الناهي، يبدو الأمر وكأن ثمة تفويضاً كونياً مُنح لهما، يتمثل في حق تعريف الإرهاب، حق رسم خرائط المنطقة، حق تقرير من يُعاقب ومن يُكافأ، بل وحق إعادة تفسير القانون الدولي بما يلائم ضرورات “الأمن”، لكن السؤال البسيط الذي لا يطرح بما يكفي هو: من عيّنهم حراساً على العالم؟.
لا توجد هيئة انتخابية كوكبية منحت أي إدارة أمريكية أو أي حكومة (إسرائيلية) تفويضاً لإدارة مصائر الشعوب، ما يوجد هو تفوق عسكري ساحق، وتحالف استراتيجي متين، وقدرة هائلة على فرض الوقائع.
غير أن القوة، مهما بلغت، لا تنتج شرعية أخلاقية، الفارق بين القدرة والحق هو الفارق بين الهيمنة والمسؤولية، وبين الإمبراطورية والنظام الدولي.
تُسوق (إسرائيل) سرديتها على أساس حق تاريخي وأمني، ولا يمكن إغفال البعد الديني في هذه السردية، إذ يتداخل الخطاب السياسي مع تأويلات توراتية تمنح الصراع بعداً قدرياً، وتضفي على الجغرافيا معنى عقائدياً يتجاوز الحدود.
وبين سردية “الوعد” وسردية “الأمن”، تتكون رواية ترى في الأرض حقاً مسبقاً، وفي القوة وسيلة لحمايته، بينما تستند الولايات المتحدة إلى عقيدة “الاستثناء الأمريكي”، تلك الفكرة التي ترى في نفسها نموذجاً أخلاقياً وسياسياً متفوقاً، يملك ليس فقط حق القيادة، بل واجبها.
في هذا التلاقي بين “الشعب المختار” و”الأمة التي لا غنى عنها”، تتكون ذهنية تعتبر أن مساءلتها هي نوع من التعدي، وأن الاعتراض على سياساتها هو انحياز ضد الحضارة ذاتها.
غير أن التاريخ الحديث يظهر أن الإدارات تتبدل، لكن البنية العميقة لا تتغير، من جورج دبليو بوش إلى باراك أوباما إلى جو بايدن، اختلفت النبرة، تبدلت الأساليب، لكن ظل الالتزام بأمن الكيان الصهيوني أولوية ثابتة، تتقدم على اعتبارات القانون الدولي وحقوق الإنسان حين يتعارض الطرفان، أما في عهد ترامب، فقد خرج هذا الالتزام من الدبلوماسية التقليدية إلى إعلان صريح بلا مواربة.
المشكلة إذن ليست شخصاً بعينه، بل بنية استراتيجية تجعل من الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني جزءاً من تعريف المصلحة الأمريكية نفسها، في هذه البنية، لا ينظر إلى العالم كساحة متساوية الحقوق، بل كمجال نفوذ، وحين تمتلك حق النقض في مجلس الأمن، وتستخدمه مراراً لتعطيل أي مساءلة، فإنها لا تحمي حليفاً فحسب، بل تعيد صياغة معنى النظام الدولي.
كيف يُصنع “شرطي العالم”؟ لا عبر تصويت عالمي، بل عبر ثلاث أدوات وهي التفوق العسكري، السيطرة الاقتصادية، والتحكم في السردية، فحين تختزل المأساة الإنسانية إلى “أضرار جانبية”، ويعاد تعريف الحصار كإجراء أمني، ويختصر الاعتراض في تهمة التطرف أو معاداة (السامية)، يصبح الرأي العام نفسه جزءاً من المعادلة.
هنا لا يمارس العنف في الميدان فقط، بل في اللغة أيضاً، وكما قال إدوارد سعيد “ليست المسألة ما حدث، بل كيف يُروى ما حدث”، فالرواية حين تحتكر تتحول إلى أداة سلطة.
الخطير أن هذه المعادلة لا تعتمد فقط على القوة، بل على قبول الآخرين بها، صمت الحكومات، حسابات المصالح، الخوف من العقوبات، بل وحتى تعب الشعوب من الصراع، كلها عوامل تمنح هذا “الشرطي” شرعية الأمر الواقع، وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويعاد إنتاج التفويض غير المعلن مرة بعد أخرى.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأخلاقي قائماً، هل يمكن لنظام دولي أن يستمر إذا كان تعريف العدالة فيه انتقائياً؟ وهل يمكن إقناع الشعوب بقيمة القانون الدولي إذا كان يطبق بصرامة على الضعفاء، ويعطل حين يتعلق بالأقوياء؟ وكما حذر مارتن لوثر كينغ الابن “الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان”، حين يسمح للقوة بأن تعلو فوق المساءلة، يصبح الخلل عالمياً، لا محلياً.
لم ينتخب نتنياهو ولا ترامب لقيادة العالم، انتخبا داخل حدودهما، ما وراء ذلك هو مزيج من القوة والتحالفات والسرديات الدينية والسياسية معاً، لكن التاريخ يعلمنا أن الشرعية التي لا تستند إلى عدالة قابلة للمساءلة تبقى مؤقتة، مهما بدت راسخة.
لم يعينهما أحد رسمياً شرطيي العالم، لكن استمرار هذا الدور لا يعتمد عليهما وحدهما، بل على عالمٍ يقبل، بصمته أو عجزه، أن تتحول القوة إلى حق، والهيمنة إلى معيار، والسؤال الحقيقي ليس من عينهم، بل متى يقرر العالم أن التفويض الذي لم يمنحه، لم يعد ملزماً له.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



