
كتب عبد الأمير المجر: تزدحم وسائل الإعلام، وبشكل يومي، بمئات الإعلانات التي تروج لبضائع مختلفة، وتنفق الشركات من أجل ذلك الكثير من المال، وأغلب المواد المعلن عنها تكون حديثة الصنع، بغية إيصالها إلى المستهلكين، وحين تصبح بأيديهم أو يشتريها أكبر عدد منهم، يقررون فيما إذا كانت جيدة وتستحق أن تشترى مرة أخرى أو يتخلون عنها، وحينها لم تعد مجدية جميع الإعلانات عنها، جرياً وراء العبارة الشهيرة (التجربة أكبر برهان)!.
الأفكار والمشاريع السياسية كالبضائع تماماً، تحتاج إلى من يعلن عنها في البداية، وحين تصبح متداولة أو تتجسد في نظام أو حركة سياسية، يصبح الفعل على الأرض هو الإعلان الذي يعبّر عنها ويروج لها، فالناس اليوم، على سبيل المثال، لا تحتاج إلى إعلان عن سيارة مارسيدس أو تويوتا، لأن الجميع يعرف قيمة هذه المنتجات، لكن سيارة جديدة تطرح للسوق تحتاج إلى الإعلان عنها، وهكذا.
لقد كانت الإذاعات تتحدث عن تجارب الدول، عندما كان الوصول إليها ليس يسيراً كما هو اليوم، أما الآن فالناس صارت تعرف جميع الدول في العالم تقريباً، حيث البث الفضائي وسهولة السفر قياساً بالعقود الماضية، وإن ما تراه في تلك البلدان هو صورتها الحقيقية وغير المتخيلة أو المصنّعة، أو الصورة التي تعكس طبيعة الحياة في ظل التجربة السياسية لكل بلد ومدى رضا الناس عنها هناك.
لقد سمع الناس باليابان المهزومة في الحرب العالمية الثانية، وسمعوا بالكوريتين (الشمالية والجنوبية) من خلال حربهما المدمرة مطلع خمسينات القرن الماضي، لكن صورة الحياة هناك ظلت شبه غائبة عنهم، وفي سبعينيات القرن الماضي صارت اليابان الدولة التي تهفو إلى رؤيتها الملايين، لأنها وصلتهم ليس من خلال شعارات أو مشاريع سياسية، وإنما من خلال ما قدمه العقل الذي وقفت وراء تنظيمه دولة ناجحة، تجاوزت ألمها الكبير وهزيمتها العسكرية والنفسية وتداعياتها على واقع الحياة هناك، وبدأت تنهض بقوة لتستعيد مكانتها بين الدول، وهكذا انتصرت اليابان على نفسها أولاً، لتجد نفسها وقد تجاوزت الهزيمة وحولتها إلى تجربة دفعت بها إلى ميدان العطاء المركّب، أي تفيد نفسها وغيرها، لأن ما تقدمه من عطاء علمي يصب بالنتيجة في بحر البشرية الذي يتغذى من جميع روافده أو دوله وشعوبه، فبعد أن كانت اليابان عبئاً على العالم ودولة استعمارية، احتلت الكثير من الدول مثل كوريا وإندونيسيا وكذلك أراض في الصين وروسيا وغيرها، ووجدت نفسها فيما بعد في مواجهة عسكرية مدمرة مع العالم، أصبحت واحدة من أهم روافع الحضارة الإنسانية اليوم.
ما نخلص إليه في هذه السطور هو القول، بأن لغة الشعارات لم تعد مجدية، والأفكار صارت تتجاور في فضاء الثقافة الإنسانية ولا تتصادم، وبالإمكان الاطلاع عليها بسهولة، والحياة في غنى ثقافي مستمر، لكن المهم هو كيف تصنع الشعوب دولها بالإفادة من جميع الأفكار الجيدة.. اصنع شيئاً مفيداً للناس ستجد اسمك يطبع عليه وإن لم تكتبه أنت، لأن الناس تعرف أنه صادر منك وهو حقك، فلن ينافس الألمان أحد على عائدية سيارة المارسيدس ولا الأمريكان على عائدية سيارة فورد.. مثلما لا أحد يستطيع أن يتجاوز حقيقة أن كوريا الجنوبية باتت دولة كبيرة، لأنها حاضرة في ميدان الصناعة والبناء وبأكثر من بلد في العالم، فما حاجتها إلى الإعلان عن نفسها أو عن نظامها السياسي.. إنه زمن (تصدير الدول) وليس الأفكار والنماذج السياسية.. وهي الحقيقة التي علينا جميعاً معرفتها.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



