مقالات

التعليم وتكافؤ الفرص

كتب د. مزهر جاسم الساعدي: لقد أصبح من الواضح تماماً أن تساوي فرص التلاميذ والطلبة التعليمية في العراق، بدأت تتراجع بشكل ملحوظ في ظل السياسة التي تتبعها مؤسسات الدولة، ولعل الأمر لا يتعلق بهذه السنة الدراسية أو بهذه الحكومة والوزارة فحسب، بل إنه صار برنامجاً عمدياً تصاعدياً يخطط له بشكل قصدي من قبل أطراف داخلية وخارجية.

 

وهنا لا أطلق حكماً استفزازياً، إنما أؤكد حقيقة صارت ماثلة للعيان لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، تجلت هذه السياسية بفتح العديد من المدارس ذات المواصفات الخاصة التي تحيل بدورها إلى إكسائها صبغة تمييزية ولعلها الأقرب إلى الطبقية، كما هو الحال في فتح المدارس النموذجية في السنوات التي انصرمت إلى مدارس المتميزين، ومن ثم إلى مدارس المتفوقين فضلاً عن مدارس الموهوبين، وصولاً إلى فتح المدارس الحكومية الدولية.

إن تنوع هذه المدارس والشروط التي يجب أن يقبل التلميذ فيها، تعني إقراراً واضحاً من الدولة والمؤسسة المعنية في وزارة التربية، بأنها عاجزة وغير قادرة على أن تجعل المدارس جميعها بذات المواصفات وبذات الكفاءة التعليمية، من حيث البنية التحتية ومن حيث وجود الكوادر التعليمية والتربوية ومن حيث الخدمة التعليمية التي يستحقها التلميذ بكونه يتمتع بحق كفله الدستور والقانون.

لقد فشلت مؤسسات الدولة طيلة السنوات المنصرمة في توفير المواصفات المذكورة أعلاه في مدارسنا، لتمكن التلاميذ والطلبة جميعهم من أخذ فرصتهم في التفوق والوصول إلى ما يصل إليه أقرانهم في المدارس التي ذكرت.

إن الأمر المؤكد والبديهي ألا يتحمل التلميذ والطالب فضلاً عن أولياء الأمور تبعات هذا التقصير، إنما يجب معالجته بقرار يتخذ من أعلى مستويات الدولة وأن لا تتسع الهوة والفجوة التعليمية بين أبناء البلد الواحد بفتح المزيد من تلك المدارس.

ربما تبرر وزارة التربية فتح مثل هذه المدارس بكونها تضمن الحد الأدنى من الجودة التعليمية وتوفير البيئة المناسبة للتلاميذ المتفوقين لذلك تنشأ هذه المدارس، متناسية أن مثل هذه المدارس لا تغطي مساحات واسعة يستطيع أغلب المتفوقين من التلاميذ والطلبة الوصول إليها لاسيما في المناطق البعيدة ذات الأغلبية الفقيرة كما في بغداد وبعض المحافظات.

ولعل الملفت في إعمامات وزارة التربية أنها لا تقبل المعلم أو المدرس للتدريس في هذه المدارس إلا بشروط ومعايير عالية الجودة، وأن تكون لديهم من الخبرات ما يمكنهم من إفادة الطلبة والقيام بواجباتهم على أفضل وجه.

أليس هذا اعترافاً علنياً من وزارة التربية أن هناك تفاوتاً في الخبرات والتدريس عند المعلمين والمدرسين؟ وإن كان هذا الاعتراف معلناً، إذن ما ذنب التلميذ الذي يعلمه أو يدرسه من لا تنطبق عليه المواصفات التي ذكرتها الوزارة؟

أليس من الأولى أن يتمتع التلاميذ والطلبة جميعهم بالمواصفات ذاتها للكوادر التعليمية التي تقوم على تعليمه، وأن يكون في بنايات كما هي البنايات ذات المواصفات الخاصة التي تذكرها الوزارة؟ ألا يثير هذا الأمر تساؤلاً عن جدوى أن تكون في وزارة التربية مديرية عامة تعنى بالإعداد والتدريب للكوادر التعليمية، أم أنها تعترف بشكل صريح على أن هذه المسميات ليست ذات قيمة؟.

ماذا لو أن الوزارة مكنت هؤلاء من أداء واجبهم بشكل صحيح من حيث تخصيص البنايات اللائقة ذات المواصفات العالية وأنفقت على برامج الإعداد للمعلمين والمدرسين والمشرفين، بما يضمن الجودة التعليمية بحديها الأعلى والأدنى وأبعدت منهم من يفشل في البرامج الإعدادية.

أنحتاج بعد ذلك إلى برامج معلبة تفرض علينا وننفق عليها من أموالنا بالمليارات ونحن بأمس الحاجة إليها، ودونكم فتح المدارس الحكومية الدولية، إذ إنها تشغل بناية تابعة للوزارة ومعلمين تابعين للوزارة، ومن ثم تأتي تلك الجهات لتفتح مدرسة تسمى الدولية تكلف المليارات من الأموال العراقية.

ألا يكشف هذا الأمر عن عدم الاهتمام بالتعليم الابتدائي والأساسي بعكس العديد من الدول التي ترى أن واجبها الاهتمام بالتلميذ في هذه المرحلة ورعايته والعناية به؟ ألم ندرك إلى الآن أننا إذا أردنا بناء المجتمع الأكثر سلمية وتعايشاً وتسامحاً فما علينا إلا الذهاب نحو تحقيق أهداف التعليم؟.

وإن أردنا القضاء على التمييز والحد من عدم المساواة فما علينا إلا الذهاب إلى التعليم، وإن أردنا العيش في أماكن أكثر صحة واستدامة فما علينا إلا الذهاب إلى التعليم؟وما تقدم هو الإيجاز الشديد للهدف الإنمائي الرابع من أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة وصادق عليها أكثر بلدان العالم، والعراق واحد من بين تلك البلدان التي صادقت على هذه الأهداف في نسختيها الأولى والثانية، أعني المصادقة على أهداف الإنمائية للألفية ومن ثم أهداف التنمية المستدامة.

لقد عززت هذه الأهداف بمؤشرات عدة يقاس على وفقها مدى تطبيق البلدان والتزامها، وأفردت مؤشرات خاصة للهدف التربوي تجلت بإقرار مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، وهذا يعني أن يحصل التلاميذ جميعهم على الحقوق ذاتها للوصول إلى إكمال مرحلتهم الدراسية والحيلولة دون تسربهم منها.

لا أدري إن كان حجم الإنفاق على التلميذ في العراق قد يسد هذه الثغرة الكبيرة، بل أجزم أنه لن يسدها على المدى المنظور طالما ظل يراوح بنحو سبعة مليارات ونصيب التلميذ فيها هو 519 دولاراً بحسب تقرير اليونسيف لعام 2025، فضلاً عن تقرير البنك الدولي الذي يؤكد تخصيص 7،4 دولار من إجمالي الموازنة لقطاع التعليم.

إن مقارنة إنفاق العراق بالدول العربية تجعله في موضع حرج دائماً إذ إنه ليس فقيراً وليس من الدول التي لا تمتلك الثروات، وحسبنا بعض دول المغرب العربي لاسيما منها المغرب وتونس فإنها تخصص خمس الموازنة للتعليم، فضلاً عن دول الخليج إذ تصل حصة التلميذ الواحد في بعض دولها إلى أكثر من 16 ألف دولار.

ولأننا ليس كذلك فلا نعجب أن نظل في كل سنة نفتح مدرسة للمتميزين هنا، ومدرسة للمتفوقين هناك، وأخرى تحبونها تسمى بالمدارس الحكومية الدولية، وتظل وزارة التربية تعقد مؤتمراً سنوياً لإعلان نتائج الامتحانات العامة تكون حصة الأسد فيها لمن درسوا في تلك المدارس.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى