
كتب علي حميد الطائي: حين يُذكر الاستثمار في العراق يتجه الذهن غالباً نحو النفط أو العقار أو المشاريع التجارية الكبرى، بينما يبقى القطاع الزراعي رغم أهميته الاستراتيجية خارج دائرة الاهتمام الحقيقي، على الرغم من أنه تقدّر نسبة القوى العاملة في هذا الحقل المهم بـ33% من القوى العاملة.
مع أن التجارب الحديثة، أثبتت أن الاستثمار الزراعي لم يعد نشاطاً تقليدياً محدود الربحية، بل تحول إلى قطاع اقتصادي يرتبط بالأمن الغذائي والصناعات التحويلية وسلاسل الإمداد وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي.
العراق يمتلك مقومات زراعية كبيرة من حيث المساحات والتنوع المناخي والموقع الجغرافي والأيدي العاملة، إلا أن هذه المقومات بقيت طوال السنوات الماضية محاصرة بجملة من التحديات البنيوية والإجرائية، الأمر الذي جعل الاستثمار الزراعي يتحرك ببطء واضح مقارنة بحجم الحاجة الفعلية لهذا القطاع.
المشكلة في العراق ليست في غياب الأراضي الزراعية، بقدر ما تكمن في غياب النموذج الاستثماري القادر على تحويل هذه الأراضي إلى قيمة اقتصادية مستدامة، فالكثير من الأراضي بقيت معطلة أو منخفضة الإنتاجية بسبب تفتت الملكيات وضعف البنى التحتية وغياب الخدمات الداعمة، فضلاً عن تعقيد الإجراءات المتعلقة بالتخصيص والاستثمار والحيازة والتعاقد.
كما أن جزءاً من الإشكالية يرتبط بالنظرة التقليدية للاستثمار الزراعي، إذ يُتعامل معه أحياناً بوصفه نشاطاً موسمياً محدود العوائد، بينما الحقيقة أن الزراعة الحديثة أصبحت ترتبط بالتكنولوجيا والطاقة المتجددة والإدارة اللوجستية والاقتصاد الأخضر، أي أننا أمام قطاع اقتصادي متكامل لا مجرد نشاط فلاحي تقليدي.
ومن الناحية القانونية فإن البيئة التشريعية العراقية تمتلك أساساً يمكن البناء عليه، خصوصاً من خلال قانون الاستثمار العراقي رقم /13/ لسنة (2006) المعدل الذي منح حوافز وإعفاءات للمشاريع الاستثمارية، إضافة إلى القوانين والأنظمة المتعلقة باستغلال الأراضي الزراعية والعقود الزراعية، إلا أن المشكلة لا تكمن دائماً في غياب النصوص بل في تشتتها وضعف التكامل بينها أحياناً، فضلاً عن بطء الإجراءات التنفيذية وتداخل الصلاحيات بين الجهات المعنية.
وفي الواقع فإن أحد أكبر التحديات التي تواجه الاستثمار الزراعي يتمثل في معادلة الأرض نفسها، فالدولة تخشى تمليك الأراضي خشية فقدان السيطرة عليها أو تغيير جنسها القانوني، بينما المستثمر يبحث عن ضمانات طويلة الأمد تتيح له ضخ الأموال وإنشاء البنى التحتية وتحقيق الجدوى الاقتصادية، وهنا تظهر الحاجة إلى حلول قانونية وإدارية أكثر توازناً ومرونة.
ومن بين الحلول التي يمكن أن تشكل نقلة نوعية في هذا المجال فكرة تأسيس شركة قابضة وطنية للاستثمار الزراعي، تعمل وفق نموذج اقتصادي حديث وبشراكات متعددة بين الدولة والقطاع الخاص والمصارف والصناديق الاستثمارية، بحيث تتولى هذه الشركة إدارة واستثمار الأراضي الزراعية عبر نظام الحيازة طويلة الأمد وليس التمليك النهائي.
هذا النموذج يمكن أن يحقق عدة أهداف في وقت واحد، فهو يحافظ على ملكية الدولة للأراضي الزراعية من جهة، ويوفر للمستثمر ضمانة تشغيل واستثمار مستقرة من جهة أخرى، كما يسمح بتجميع الأراضي الصغيرة ضمن مشاريع إنتاجية كبيرة قادرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة وتحقيق إنتاجية عالية.
ويمكن لهذه الشركة القابضة أن تعمل وفق مبدأ المحافظة الزراعية المتخصصة، بحيث تُقسم المشاريع بحسب طبيعة المحافظات والموارد المتوفرة فيها، فهناك مناطق يمكن أن تتحول إلى مراكز للحبوب، وأخرى للثروة الحيوانية، وأخرى للصناعات الغذائية أو الزراعات المحمية أو المحاصيل التصديرية، وبذلك يتحول الاستثمار الزراعي من مشاريع متفرقة إلى سياسة اقتصادية متكاملة.
كما أن هذه الشركة يمكن أن تؤدي دور الوسيط المؤسسي بين الدولة والمستثمر، فتتولى ملفات التخصيص والتعاقد والتخطيط والمتابعة الفنية، بدلاً من بقاء المستثمر عالقاً بين تعدد الجهات والإجراءات، وهو ما يخفف كثيراً من التعقيدات الإدارية التي أعاقت هذا القطاع طوال السنوات الماضية.
ومن الحلول المهمة أيضاً ربط الاستثمار الزراعي بالصناعات التحويلية، لأن الزراعة التي لا ترتبط بالصناعة تبقى محدودة الأثر اقتصادياً، بينما تتحول القيمة الحقيقية عندما تدخل المنتجات الزراعية في سلاسل تصنيع وتعليب وخزن ونقل وتصدير، وهنا يصبح المشروع الزراعي مولداً لفرص العمل والإنتاج والقيمة المضافة وليس مجرد مشروع موسمي.
كذلك لا يمكن الحديث عن إصلاح الاستثمار الزراعي من دون معالجة ملف المياه، إذ إن التحدي المائي أصبح عاملاً حاسماً في مستقبل الزراعة العراقية، الأمر الذي يتطلب الانتقال من أساليب الري التقليدية إلى أنظمة الري الحديثة والزراعة الذكية، لأن الاستثمار الحقيقي لا يقوم فقط على توفير الأرض بل على استدامة الموارد أيضاً.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى خطاب إنشائي عن أهمية الزراعة بقدر حاجته إلى إعادة تعريف الاستثمار الزراعي بوصفه مشروعاً للأمن الاقتصادي والغذائي، فالأرض التي لا تُستثمر تتحول مع الوقت إلى عبء، أما حين تُدار بعقلية اقتصادية ومؤسساتية حديثة فإنها تصبح مورداً دائماً للدولة والمجتمع معاً.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



