
كتبت سوسن الجزراوي: لم يعد استقرار الدول في العصر الحديث نتاجاً لقراراتها الداخلية وطموحاتها السياسية حسب، بل أصبح رهينة شبكة معقدة من العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية، والتي تتقاطع فيها المصالح، وتتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء، وعلى مختلف الأصعدة والساحات.
وفي قلب هذه المعادلة يقف العراق اليوم، بحكم موقعه الجغرافي وثقله السياسي وموارده الاقتصادية، بوصفه أحد أكثر البلدان تأثراً بالتحولات التي تشهدها المنطقة والعالم، الأمر الذي يجعل أي تغير في موازين القوى الإقليمية أو في طبيعة العلاقات الدولية ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمنه واستقراره ومستقبله التنموي وازدهاره الاقتصادي.
إن العراق لا يعيش في عزلة عن محيطه كما يعتقد بعض المهتمين والدارسين والباحثين في الشأن العراقي، بل يمثل نقطة التقاء لمصالح متشابكة تمتد من الخليج العربي إلى شرق البحر المتوسط، ومن آسيا الوسطى إلى أوروبا، عابراً كل جغرافية المشهد التكويني، ولذلك فإن أي تصعيد سياسي أو عسكري بين القوى الإقليمية، أو أي إعادة تشكيل للتحالفات الدولية، يفرض تحديات جديدة على صانع القرار العراقي، الذي يجد نفسه مطالباً بإدارة توازنات دقيقة تحافظ على مصالح الدولة، دون الانجرار إلى محاور الصراع أو الوقوع في دائرة الاستقطاب العبثي أو الضروري أحياناً.
وفي السنوات الأخيرة برزت تحركات إقليمية اتسمت بدرجة أعلى من المرونة، تمثلت في محاولات تخفيف التوترات، وإعادة بناء جسور الحوار بين عدد من الدول المتنافسة، فضلاً عن تنامي المشاريع الاقتصادية العابرة للحدود، وممرات النقل والطاقة، وهي تحولات تمنح العراق فرصة تاريخية للتحول من ساحة للتجاذبات إلى حلقة وصل بين المصالح المتقابلة، بشرط أن يمتلك رؤية وطنية واضحة تستثمر موقعه الجغرافي، بدلاً من أن تجعل منه ساحة مفتوحة للتنافس.
وفي المقابل، فإن استمرار بؤر الصراع في المنطقة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية، يبقي العراق عرضة لتداعيات لا يملك السيطرة الكاملة عليها، فالتوترات الإقليمية تؤثر في حركة التجارة والاستثمار، وقد تنعكس على أسواق الطاقة وأسعار النفط، وهي عوامل ترتبط بصورة وثيقة بالاقتصاد العراقي الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
وفي ذات الوقت، فإن أي اضطراب أمني في المحيط الإقليمي يفرض تحديات إضافية على حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله، وضبط حركة الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
أما على الصعيد الدولي، فإن التحولات الكبرى في النظام العالمي، وما يرافقها من تنافس بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، تفرض على العراق انتهاج سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد، فالدول التي تنجح في الحفاظ على استقلال قرارها هي الأكثر قدرة على استثمار علاقاتها الدولية في خدمة التنمية الوطنية، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز مكانتها الدبلوماسية.
وبناءً على هذا، فإن مفهوم الاستقرار لم يعد يقتصر على غياب النزاعات المسلحة، بل أصبح يرتبط بشكل أكثر أهمية بقدرة الدولة على بناء اقتصاد متين، ومؤسسات فاعلة، وسيادة القانون، وسياسة خارجية متوازنة تستند إلى المصالح الوطنية قبل أي اعتبار آخر، فكلما كانت الجبهة الداخلية متماسكة، تضاءلت قدرة المتغيرات الخارجية على التأثير في القرار الوطني.
إن العراق يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون عنصراً فاعلاً في صناعة الاستقرار الإقليمي، لا مجرد متلقٍ لتداعياته، فمكانته الجغرافية، وعمقه الحضاري، وعلاقاته المتوازنة مع العديد من دول المنطقة، تمنحه فرصة للعب أدوار سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، إذا ما اقترنت هذه المقومات بإرادة وطنية موحدة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الاستقرار في العراق سيظل مقترناً بقدرته على تحويل العلاقات الدولية والتحركات الإقليمية من مصدر للضغوط إلى مصدر للفرص، عبر دبلوماسية نشطة، واقتصاد متنوع، ومؤسسات رصينة، وسيادة وطنية راسخة، فالدول لا تختار دائماً موقعها الجغرافي، لكنها تستطيع أن تختار كيفية توظيفه، والعراق اليوم أمام فرصة تاريخية ليجعل من موقعه الجيوسياسي جسراً للتعاون بدلاً من أن يبقى ساحةً لتقاطع الأزمات.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



