مقالات
أخر الأخبار

اقتصاد المنّة

كتبت نرمين المفتي: ليس أخطر ما يفعله الفقر أنه يفرغ الجيوب، بل أنه قد يفرغ الإنسان من شعوره بالاستحقاق، فحين تدار الدولة بعقلية الإحسان لا بعقلية الحقوق، يتحول المواطن تدريجياً من شريك في الوطن إلى متسول على أبوابه.

 

الدولة الحديثة لا تمنح مواطنيها صدقة، بل تعيد إليهم جزءاً مما دفعوه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر الضرائب والرسوم وثروات البلاد، لكن في كثير من الدول الريعية، تنقلب المعادلة، يصبح المسؤول هو المانح، ويصبح المواطن مديناً بالشكر لكل خدمة يفترض أنها حق أصيل له، وهكذا يولد ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد المنّة”.

ولا ينشأ هذا الاقتصاد صدفة، بل يتم صنعه عبر منظومة كاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فبدلاً من أن تُبنى الموازنات على خلق الوظائف، وتحفيز الإنتاج، وحماية المنافسة، تتجه السياسات إلى توسيع دائرة المحتاجين للإعانات، لأن الحاجة نفسها تتحول إلى وسيلة للإدارة والسيطرة.

يتم ربط فرص العمل بالوساطة، والقروض بالولاء، والعقود بالنفوذ، بينما تغرق البيروقراطية المواطن في متاهة من الإجراءات تجعله يبحث عن باب خلفي لكل معاملة، عندها لا يعود الفساد مجرد انحراف عن النظام، بل يصبح أحد أساليب عمله، ويغدو الوصول إلى الحق أكثر كلفة من الحصول على المنّة، فيفضّل كثيرون الصمت على المطالبة، والامتنان على الاعتراض.

ومع مرور الزمن، لا تتآكل المؤسسات وحدها، بل تتبدل الثقافة العامة أيضاً، إذ يكبر جيل يعتقد أن الخدمات العامة ليست استحقاقاً دستورياً، بل مكافأة تُمنح لمن يقترب من مركز القوة، وعندما تختزل العلاقة بين المواطن والدولة في سلسلة من الطلبات والاستثناءات، تفقد السياسة معناها بوصفها إدارة للصالح العام، وتتحول إلى سوق لتبادل المنافع والولاءات، وهنا يبلغ اقتصاد الإذلال ذروته، لأنه لا يكتفي بإفقار الناس مادياً، بل يعيد تشكيل وعيهم بحيث يبدو الحق امتيازاً، وتصبح الكرامة مطلباً استثنائياً لا حقاً طبيعياً.

إنه اقتصاد لا يقيس نجاحه بعدد فرص العمل التي خلقها، ولا بجودة التعليم أو الرعاية الصحية، بل بعدد السلال الغذائية التي وزعن، وعدد المنح الاستثنائية، والمكرمات، والبطاقات، والقوائم التي تنتظر توقيع مسؤول أو صورة أمام عدسات الكاميرا.

في هذا الاقتصاد، لا يُصنع الاعتماد على الذات، بل يُصنع الاعتماد على السلطة، ويصبح بقاء الفقر، في بعض الأحيان، أكثر فائدة للنظام من القضاء عليه، لأن المحتاج أسهل انقياداً من المواطن المستقل، والمنتظر للمنحة أقل ميلاً للمطالبة بالإصلاح.

لهذا لا تكون المشكلة في قيمة الإعانة، بل في فلسفتها، فشبكات الحماية الاجتماعية ضرورة أخلاقية واقتصادية في كل دول العالم، لكنها تتحول إلى أداة إذلال عندما ترتبط بالولاء السياسي، أو تُقدم باعتبارها منّة من الحاكم لا التزاما من الدولة.

ومن هنا يبدأ التآكل الصامت لفكرة المواطنة، فالذي يقف ساعات في طوابير طويلة ليحصل على حقه، أو يحتاج إلى واسطة للتعيين، أو إلى توصية للعلاج، أو إلى انتماء حزبي ليضمن رزقه، يتعلم مع الوقت أن القانون ليس المرجع، بل صاحب النفوذ. وعندما تسقط هيبة الحق، ترتفع قيمة الوسيط.

اقتصاد المنّة لا يهدم الاقتصاد وحده، بل يهدم الشخصية الوطنية، فهو يربي أجيالا تعتقد أن الكرامة رفاهية، وأن الصمت ثمن الرغيف، وأن الامتنان واجب حتى مقابل أبسط الحقوق.

أما الاقتصاد السليم، فلا يبدأ من توزيع المساعدات، بل من توزيع الفرص، لا يقيس نجاحه بعدد المحتاجين الذين أعالهم، بل بعدد الذين لم يعودوا بحاجة إلى معونة. ولا يجعل المواطن يقف أمام مكتب مسؤول، بل يجعل المسؤول يقف أمام القانون إذا قصّر في خدمة المواطن، فالفقر قد يكون قدراً مؤقتاً، أما تحويل الحقوق إلى مِنح فهو قرار سياسي، وبين دولة تحترم مواطنيها ودولة تُخضعهم، يكمن الفارق كله في سؤال بسيط وهو هل يُعامل الإنسان بوصفه صاحب حق، أم مجرد مستفيد من كرم السلطة؟.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى