
كتب عبد الله حميد العتابي: حدثت فيضانات الفرات خلال الأيام القليلة الماضية، بسبب اجتماع عدة عوامل في وقت واحد، إذ شهدت مناطق منبع الفرات في شرق تركيا موسماً قوياً من الأمطار والثلوج، وتراكمت الثلوج في بعض المناطق بكميات كبيرة، ثم ذابت بسرعة بسبب الأمطار الربيعية الغزيرة، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المياه نحو مجرى النهر.
وامتلأت السدود التركية على نهر الفرات بمستويات مرتفعة، الأمر الذي تطلب فتح بوابات المفيض لتخفيض الضغط عنها، فاتجهت هذه المياه بشكل طبيعي نحو الأراضي السورية عبر مجرى الفرات.
إنّ المشهد الحالي في نهر الفرات في العراق وسوريا يكتسب أهمية خاصة، لأنه يكشف دخول المنطقة مرحلة من «الفوضى المناخية»، تتجاوز مجرد الجفاف أو وفرة المياه.
فبعد سنوات من الجفاف القسري والتراجع الحاد في مناسيب المياه عاد نهر الفرات، إلى واجهة المشهد، فمع اقتراب بحيرة سد الفرات في سوريا من الامتلاء الكامل، بدأت بوابات الفيضانات تُفتح تباعاً، في حدث غير مسبوق منذ عام 1988.
ويأتي هذا التحول بعد عقود من الضغوط المناخية والبنيوية التي أثرت في النهر، فقد ارتفعت درجات الحرارة في كل من سوريا والعراق بنحو درجة مئوية، وتراجع معدل الأمطار بنحو 18 مليمتراً شهرياً خلال القرن، ما ساهم في انخفاض تدفق منظومة نهري الفرات ودجلة إلى ما يقارب نصف المتوسط السنوي خلال سنوات الجفاف.
ودفعت هذه المؤشرات جهات إقليمية، بينها وزارة الموارد المائية العراقية، إلى التحذير سابقاً من خطر جفاف النهر بحلول عام 2024، وفي موازاة ذلك، تراجعت محاصيل زراعية رئيسية، مثل القمح، بنسبة وصلت إلى 75% منذ عام 2011.
والمفارقة، أنّ الحديث قبل أشهر كان يدور حول انخفاض تاريخي في منسوب الفرات واحتمال حدوث أزمة مياه حقيقية، فيما تشهد المنطقة اليوم فيضانات وفتح فائض السدود للمرة الأولى منذ عقود، ذلك لا يعني انتهاء المشكلة، بل على العكس تماماً، إذ بات التغير المناخي في الشرق الأوسط يخلق تطرفاً حاداً في المواسم، يتمثل في سنوات طويلة من الجفاف تعقبها أمطار غزيرة ومركزة خلال فترات زمنية قصيرة، فضلاً عن أنّ الأراضي التي تتعرض لجفاف طويل تصبح أكثر قساوة وأقل قدرة على امتصاص المياه بسرعة، ما يؤدي إلى تحول الأمطار مباشرة إلى سيول وارتفاع كبير في منسوب النهر.
إنّ الأمطار الغزيرة وذوبان الثلوج في تركيا هذا العام أسهما في زيادة تدفق المياه نحو سوريا، الأمر الذي أدى إلى امتلاء البحيرات والسدود بسرعة، ودفع الجهات التركية إلى فتح بوابات التصريف لتخفيف الضغط.
والتساؤل هنا هل الفيضانات تعني انتهاء أزمة المياه؟ من الواضح أنّ المنطقة تنتقل من «الاستقرار المناخي القديم» إلى مرحلة من التذبذب الحاد، تتراوح بين الجفاف الشديد والفيضانات ثم العودة إلى الجفاف مجدداً، وهو ما يشكل خطراً متزايداً على الزراعة والسكان والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي.
ويبدو أنّ العراق وسوريا لم يعدا بحاجة إلى بناء السدود فقط، بل إلى تطوير منظومة جديدة بالكامل لإدارة المياه والتكيف مع التغير المناخي، تشمل تخزين مياه الفيضانات، وتحديث إدارة السدود المصممة أساساً لظروف مناخية أكثر استقراراً، والحد من الهدر الزراعي عبر تقليل الزراعات المستهلكة للمياه، مثل زراعة الشلب في الفرات الأوسط، إضافة إلى إعادة تأهيل الغطاء النباتي والتوسع في التشجير للحد من السيول والانجرافات، وبقي أن نقر إنّ “ما كان صالحاً قبل ثلاثين عاماً، لم يعد مناسباً للتعامل مع الواقع المناخي الحالي”، فهل ينتبه مسؤولو الموارد المائية في بلادنا؟.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



