مقالات

الحقائق الثلاث عن شجرة العراق الخضراء والعدالة والفساد

كتب حسن ناظم.. الحقائق الثلاث عن شجرة العراق الخضراء والعدالة والفساد.

 

الحقيقة الأولى:

شجرة العراق الخضراء، تتدلّى منها ثمار وفيرة، تكفي العراقيين، وتزيد على حاجاتهم كلّها مهما كانت.

 

الحقيقة الثانية:

يبتهجُ الناس لتحقيق العدالة، ولا سيّما الضعفاء الذين يعجزون عن الاقتصاص من الأقوياء، أي الفقراء الأبرياء الذين يخافون الفاسدين الأغنياء، يبتهجون للحظة الإنصاف، وردّ الحقوق. النبي (ص) رسم طهرانية أيّ أمّة بِرَهْنِها بالقدرة على تحقيق العدالة ومواجهة الظلم، قال: “لن تقُدَّسَ أمّةٌ لا يُؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متعتع”، ومضى الإمام علي (ع) في النهج نفسه، قال: “القويّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذَ الحقَّ منه، والضعيف فيكم قويّ عندي حتى آخذَ له حقّه”.

 

الحقيقة الثالثة:

شجرةُ العراقِ الخضراءُ تتكاثرُ عليها الحشراتُ والأدواء، وينزو عليها الهوامُّ، تغزو أوراقَها الحشراتُ، تجعّدُها، تحيلها صفراءَ، فتسقط ورقةً ورقةً، كلّ ورقة تبدو عليها ملامحُ التجعّد والاصفرار تركبُ عليها حشرة، أسماءُ هذه الحشرات متنوعة ذكوراً وإناثاً.

مرة تتبدّى في هيأة وكيلٍ لوزارة النفط لشؤون التصفية، ومعه أسرتُهُ وجماعتُهُ في هذه الأيام، حزيران 2026، والنزاهة تلقي القبض عليه وتضعُهُ بالأصفر أمام دولاراتِهِ ودنانيرِهِ وأسلحتِهِ، مع ما يقربُ من 10 ملايين دولار و 31 مليار دينار وحجز 70 عقاراً و21 سيارة حديثة، وهذا غيضٌ من فيض، ومرة تتبدّى في هيأةِ نائبةٍ برلمانيةٍ ذاتِ لسانٍ مدلوعٍ وأصواتٍ عالية، ألقي القبض عليها، وصودر 98 مليار دينار و 50 كيلو ذهب أصفر في منزلها، وهذا غيضٌ من فيض، ومرة تتبدّى في هيأة مدير الخطوط الجوية العراقية الذي اختلس أكثر من 115 مليار دينار عراقي، والنزاهة تلقي القبض على المدير، ومرة تتبدّى في هيأة وكيل لوزارة النفط لشؤون التوزيع، يعرُجُ إلى سدّة التحقيق ضمن الحملة نفسها على الفساد، وضُبطت عنده مبالغ مالية تربو على 11 مليون دولار و 4 مليارات دينار مدفونةً في أحد حيطان بيته، وهذا غيضٌ من فيض، ومرة تتبدّى في هيأة مدير عام لهيئة الضرائب الذي حُكم 10 سنوات، و 5 سنوات وشهر لزوجته، بعد إدانتهما بجريمة غسل الأموال، مع تغريمهما أكثر من 32 مليار دينار، ومصادرة 22 عقاراً في بغداد ودول أخرى. ومرة تتبدّى حمّالات حطب، إذ يشقى النبيّ (ص) بأمّ جميل حمّالة حطب، يشقى العراقُ بحمّالات حطب تضطرُّ إلى حرقِ ملايين الدولارات بالتنور عند المداهمة، ومرة ومرة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

ويستمرُّ الحالُ، على هذا المنوال، إذ تتكاثرُ الحشراتُ والأدواء، على أوراقِ شجرةِ العراقِ الخضراء.

واقعياً، صولةُ الفجرِ تُحيي نارَ أملٍ على وشك أن ينطفئ، ودولةُ العراق وقضاؤه ورجالُ أمنه تُحيي هذا الأملَ، بهذه الصولة، لكنّها صولةٌ إن لم تتبعها صولاتٌ فلا أمل، فالفساد ليس حالة منفردة، تُدهشنا، ونسعى لمتابعة تفاصيلها. في الواقع، قد تذهلُنا هذه الحالة عن الصورة الكبرى عن الفساد في بلدنا.

ما نحتاجُهُ ليس الوقوف أمام شجرة العراق وقطع ورقة صفراء تركبُ عليها حشرة، يجب أن نذهبَ لجذور الشجرة، ونرى ماذا يحدثُ هناك، يجب ألا ننشغلَ بقضايا القضاء العراقيّ وأخباره، فهذه لها رجالها الشرفاء، ولا بقصصِ الإعلامِ عن الفساد وكيف يقدمها، يجب أن ننشغلَ بالنظام التشغيليّ operating system للفساد، يجب ألا ننشغلَ بمن هو الفاسد الذي أُلقي القبض عليه، ومن هم أعوانُهُ، فهو بين يدي العدالة، يجب أن ننشغلَ بنظام الفساد الذي مَنحَ الوقت الكافي له وجماعته للسرقة، هذا النظام التشغيليّ متغلغلٌ ومنتشرٌ ويصعبُ إيقافُهُ، فهو مرنٌ يتكيّفُ مع الظروف، يبدّلُ وكلاءَهُ والمستفيدين منه، لذلك فإرسالُ عشرة أو عشرين أو حتى مائة إلى العدالة يجبُ أن يتبعَهُ إيقافُ هذا النظام التشغيليّ، لأنّ النظامَ التشغيليّ ما زالَ يعملُ، على نحوٍ متداخلٍ، وحذرٍ، ودقيقٍ، وشأن أيّ نظام، لا يهمُّهُ الأفراد، خاصة حين يكونُ من الممكنِ تحويلُ هذا الفرد الإنسان إلى كبشِ فداء، فالنظامُ التشغيليّ للفسادِ يحوّلُ الإنسان الذي يجني فجأة ملايين الدولارات من المالِ العام إلى كبش.

وهنا أختمُ بثلاثِ مسائل:

المسألة الأولى: هل النظامُ التشغيليّ للفسادِ هو المستولي على الدولة؟ ومن ثمّ، هل لدينا في هذه المرحلةِ بدايةٌ حقيقيةٌ لمواجهة هذا النظام التشغيليّ للفساد؟

المسألة الثانية: لماذا تُخفق الجهود الوقائية فننتهي إلى دراما ملاحقة الفاسدين؟ الجهد الوقائي، وهناك دائرة في هيئة النزاهة بهذا العنوان، جهد صامت يئدُ خطط الفساد قبل تنتفيذها، ويغلق أبوابه قبل فتحها، وأكبر عِبرة هي سدّ الثغرات، وليس لمعة أسماء الموقوفين وأعدادهم.

المسألة الثالثة: بعد استحكامِ ثقافةِ الفساد، آنَ الأوانُ لبناءِ ثقافة النزاهة، وبناءِ مجتمعٍ اجتماعيّ جديدٍ ومجتمعٍ سياسيّ جديدٍ يسائلان الفاسدين قبل القضاءِ وأجهزتِهِ، ويرفعان عنه الحمايةَ اجتماعياً وسياسياً.

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى