
كتبت نرمين المفتي.. في 18 شباط 2026، أُعلن وفاة الدبلوماسية الفلسطينية البارزة ليلى شهيد بانتحارها في شقتها بجنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
لم يكن الخبر عابرا، بل حمل ثقلا خاصا لأن المرأة التي أنهت حياتها كانت لعقود أحد أبرز الوجوه الفلسطينية في أوروبا، وصوتا عقلانيا ثابتا في الدفاع عن حق شعبها في الحرية والدولة. فتح موتها بهذه الطريقة بابا مؤلما للأسئلة، لا عن حياتها فقط، بل عن المسار السياسي الذي عاشت في قلبها.
ولدت سنة 1949 في بيروت لعائلة فلسطينية من القدس، أي في زمن تشكل فيه الوعي الفلسطيني على آثار النكبة ونتائجها. لم تعش فلسطين جغرافيا، لكنها حملتها سياسيا وأخلاقيا. درست في بيروت وباريس، واختارت أن تدخل معترك الدبلوماسية في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ القضية. كانت أول امرأة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية دبلوماسيا، ثم أصبحت ممثلة لفلسطين لدى فرنسا والاتحاد الأوروبي، في سنوات تداخلت فيها الآمال الكبيرة مع الانتكاسات المتكررة.
تميز خطابها بالوضوح والابتعاد عن الشعارات. كانت تؤكد أن الحق في تقرير المصير هو الأساس، وأن الفلسطينيين لا يعرفون شكلا لتقرير المصير خارج إطار الدولة. لم تكن هذه عبارة إنشائية، بل خلاصة تجربة طويلة في مخاطبة العواصم الأوروبية بلغة القانون الدولي. لكنها في الوقت ذاته كانت واقعية إلى حد المرارة، إذ شددت مرارا على أن مجرد الاعتراف بدولة فلسطين لا يغير الواقع على الأرض، لأن الدولة لا يمكن أن تُبنى تحت حكم عسكري. في هذا التوتر بين الرمز والواقع عاشت سنوات عملها الدبلوماسي، بيانات دعم لا تتحول إلى ضغط فعلي، وتعاطف لا يكسر معادلات القوة.
بعد ثلاثة عقود على اتفاقيات أوسلو، عبرت بوضوح عن خيبة أملها، معتبرة أن الوضع أصبح أسوأ، وأنها تركت العمل الدبلوماسي لأنها لم تعد تستطيع أن تخون شعبها. لم تكن كلمة “الخيانة” اتهاما ذاتيا، بل تعبيرا عن شعور بالعجز أمام مسار تفاوضي طال أمده بلا نتائج حاسمة. كانت ترى أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بأن يشعر الناس في غزة وسواها بالطمأنينة والكرامة، فإذا تحقق ذلك، فلن يحتاجوا إلى أجهزة أمنية تضبط حياتهم.
انتحارها، من الناحية الإنسانية، يظل أولا قرارا شخصيا لإنهاء معاناة جسدية ونفسية بعد مرض طويل. لا يجوز تسييس الألم الفردي أو تحويله إلى بيان أخير. ومع ذلك، يصعب تجاهل أن امرأة حملت عبء الدفاع عن قضية شعبها في فضاءات سياسية معقدة، ثم أنهت حياتها في صمت، تترك وراءها إحساسا بأن الضغط لا يكون دائمًا ظاهرا للعيان. فالدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا لم تكن وظيفة روتينية، كانت مواجهة يومية مع سرديات مضادة، وضغوط سياسية، وانتظارات عالية من شعب يبحث عن أفق.
رحيل ليلى شهيد لا يختصرها لحظة الانتحار، بل يعيدنا إلى مسارها كله، امرأة آمنت بأن أوروبا يمكن أن تكون شريكا في صنع سلام عادل، وأن لغة الحقوق قادرة على إحداث تغيير. لكنها عاشت أيضا زمن تآكل هذا الأمل، حيث ظلت القضية تدور في حلقات من الاعترافات الرمزية والجمود السياسي. بين إيمانها العميق بتقرير المصير، ونقدها لاعترافات لا تغير الواقع، ومرارتها من مسار لم يكتمل، تتشكل صورة دبلوماسية حاولت أن تبقي فلسطين حاضرة في الضمير الأوروبي.
لا يقدم موتها إجابات جاهزة، لكنه يذكّر بأن القضايا الكبرى يحملها بشر، وأن هؤلاء البشر، مهما بدوا صلبين، لهم حدود. وبين الأمل الطويل والانتظار المرهق، تبقى سيرتها شهادة على جيل راهن على العدالة، حتى حين تأخرت كثيرا.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



