
كتبت نرمين المفتي.. حين يطلق اسم مثل “العزم المطلق” لتوصيف عملية تستهدف اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، كما في الحالة الفنزويلية مع نيكولاس مادورو، فإننا لا نكون أمام مصطلح عملياتي عابر، بل أمام ذروة تطور اللغة العسكرية الأمريكية.
فـ”العزم” هنا لا يُقدم كقرار سياسي قابل للنقاش، بل كقيمة أخلاقية مكتفية بذاتها، تسبق الفعل وتغلق باب السؤال: من يعترض على العزم؟ وهكذا تتحول الجريمة المحتملة إلى فضيلة لغوية، ويتحول اختطاف رئيس دولة من انتهاك صارخ للقانون الدولي إلى تعبير عن إرادة يُفترض أنها سامية.
سواء نفذت العملية أم بقيت في حيز التهديد، فإن الاسم يؤدي وظيفته كاملة. فالقوة لا تحتاج دائما إلى التنفيذ كي تفرض منطقها، يكفي إعلان النية بلغة أخلاقية حاسمة. “العزم المطلق” لا يصف فعلا، بل يعيد تعريفه، ويجرده من ماديته القانونية، ويحوله إلى موقف. هنا تبدأ القرصنة السياسية في ارتداء زي الشرعية.
هذا المنطق ليس جديدا. فقد اعتادت الولايات المتحدة استخدام تسميات تضفي على الحرب طابعا أخلاقيا دائما، مثل “الحرية الدائمة” و”العزم المتأصل”. في هذه اللغة، لا تعود الحرب حدثا استثنائيا، بل حالة مستمرة، وحين تصبح الحرب حالة، يصبح اختطاف رئيس دولة تفصيلا إجرائيا لا تصعيدا خطيرا.
في مطلع الألفية الثانية، تجلى هذا المنطق بوضوح في العملية التي استهدفت العراق عام 2003 تحت اسم “حرية العراق”، التسمية بحد ذاتها، كانت كافية لإغلاق النقاش، وكأن الحرية حالة تفرض بالقوة. لم تُقدم الحرب كفعل سياسي له كلفة بشرية، بل كمهمة تحريرية مجردة، فيما كشفت عقيدة “الصدمة والترويع” عن تركيز نفسي ورمزي، مع لغة خالية من البشر، لا مدن ولا مجتمع، بل فضاء عملياتي تختبر فيه القوة لا المصائر.
عام 1991، في حرب الخليج الأولى، كان التمويه أكثر نعومة. “درع الصحراء” يوحي بالدفاع، و”عاصفة الصحراء” تحول الحرب إلى ظاهرة طبيعية بلا فاعل سياسي. العراق لا يدمر، بل تمر فوقه عاصفة بينما بقي الاسم العسكري نظيفا من الضحايا. اللغة هنا تفصل بين العاطفة التي تُستدعى، والاسم الذي يُكتب للتاريخ.
في بنما، عام 1989، جرى اختطاف مانويل نورييغا تحت اسم “القضية العادلة”. لم يكن الاسم توصيفا، بل حكما أخلاقيا مسبقا وأن العدالة لا تحتاج إلى محكمة ما دامت القوة قد نصبت نفسها قاضيا. وفي ليبيا عام 2011، أُنجز تفكيك الدولة تحت اسم “فجر الأوديسة”، استعارة ملحمية لعملية انتهت بانهيار المجتمع، حيث هيأت اللغة الذاكرة لتقبّل الخراب كمرحلة انتقالية.
وخلال الحرب الباردة، تظهر الجذور الأعمق لهذا النمط. إسقاط حكومة محمد مصدق المنتخبة في إيران جرى تحت اسم أسطوري “أجاكس”، وفي تشيلي، أخفي إسقاط حكومة سلفادور أليندي خلف اسم غامض “FUBELT”، وهو مجرد رمز داخلي استخدمته وكالة الاستخبارات الأمريكية لبرنامج شمل خنق الاقتصاد وتمويل الإضرابات وتأليب الجيش وصولا إلى الانقلاب. الغموض هنا لم يكن نقصا، بل أداة لإخفاء الجريمة خلف اختصار بلا دلالة. وفي أمريكا اللاتينية عموما، نظمت الانقلابات والاغتيالات تحت اسم “كوندور” وهو اسم لطائر جارح يحلق عاليا وينقض بلا إنذار، في استعارة صريحة لسلطة تراقب من فوق وتضرب خارج القانون.
حتى في فيتنام، ظلت اللغة تؤدي دور المخدر، فالقصف الشامل سُمي “الرعد المتدحرج”. ورش المواد الكيميائية السامة سُمي “عامل المزرعة”. أما في الحرب العالمية الثانية، فقد ترسخ التقليد مع تسميات مثل “السيد الأعلى” و”الشعلة” و”مشروع مانهاتن”، حيث بات واضحا أن تسمية الحرب ليست وصفا لها، بل إعادة خلق لها في الوعي.
ونشير إلى امتداد هذا المنطق إلى المجال الإنساني نفسه. ففي غزة، نُفذت عمليات إغاثة أمريكية تحت مظلة “مؤسسة غزة الإنسانية/ Gaza Humanitarian Foundation – GHF” والتي قدموها بوصفها استجابة لإنقاذ المدنيين من التجويع. لكن على الأرض، تحولت بعض نقاط الإغاثة إلى مصائد موت، حيث استشهد المئات من المجوعين وهم ينتظرون الإغاثة! الاسم الإنساني لم يمنع النتيجة الدموية، بل ساهم في تحييد المساءلة، إذ يصبح القتل “خطأً عرضيا” أو ” تنظيما لطالبي الإغاثة” لا جريمة.
هنا تتضح المسألة، شرعنة القرصنة السياسية عبر اللغة. فحين تُسمى الأفعال الخارجة على القانون “عزما” أو “عدالة” أو “إغاثة”، تنتقل من هامش النظام الدولي إلى مركزه. لا يُلغى القانون، بل يُعاد تفسيره لغويا لخدمة القوة. وحين تُطبَّع اللغة، تُطبَّع الجريمة، ولا يعود السؤال من ارتكبها، بل لماذا نعترض عليها.
حين يُمنح الخطف اسما أخلاقيا، يصبح الصمت فضيلة لدى من يفترض بهم الاعتراض، الإعلام، والدبلوماسية، والمنظمات الدولية. هنا لا تفشل الشرعية الدولية، بل تُستبدل بلغة تدار بها القوة، لا بقانون يحاسبها. ومن يملك سلطة التسمية، يملك سلطة تحويل الجريمة إلى قيمة. ومن هنا فصاعدا، لن يكون السؤال متى ترتكب القرصنة السياسية القادمة، انما بأي اسم ستمنح هذه المرة؟
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



