
أقيمت صلاة الجمعة المباركة في مسجد وحسينية الإمام الحسن المجتبى ( ع ) في خانقين/ منطقة علي مراد، بإمامة الشيخ حسين المندلاوي
وكانت خطبة الجمعة بعنوان ( الإنصاف أشد الفرائض على الإنسان )، وتابعتها “النعيم نيوز”:
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية: 8].
في الحياة الاجتماعية هناك حقوق متبادلة بين الإنسان وأفراد مجتمعه، وكما يحرص الإنسان على حماية حقوقه ونيلها من الآخرين، عليه أن يحرص على احترام حقوق الآخرين وأدائها كاملة إليهم.
ويطلق على هذا النحو من التعامل عنوان الإنصاف، أن يأخذ الإنسان حقّه دون زيادة، ويعطي للآخر حقّه دون إنقاص.
لذلك جاء في تعريف الإنصاف أنه العدل، كما ورد عن أمير المؤمنين علي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، قال : «الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ» .
أشدّ ما فرض الله
حب الإنسان لذاته فإنه غالبًا ما ينحاز لنفسه، ويسعى لكي يأخذ من الآخرين أكثر من حقه، ويحيف على حقوقهم بإنكارها أو إنقاصها.
ويحتاج الإنسان إلى يقظة ضمير، وقوة إرادة، حتى يكون منصفًا للآخرين، خاصة في موارد النزاع والاختلاف.
لأنّ إنصاف الإنسان الآخرين من نفسه يحتاج إلى كثير من مخالفة الهوى ومجاهدة النفس، والتغلّب على النزعة الذاتية، وبذلك يكون أشدّ ما فرض الله تعالى على خلقه، ويكون أهم سلوك يمارسه الإنسان، كما روى الإمام جعفر الصادق عن جدّه رسول الله أنه قال: «سَيِّدُ الْأَعْمَالِ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ» .
وأطلق القرآن الكريم على من يحيف على حقوق الآخرين، ويتجاوز الإنصاف صفة التطفيف، وسمّاهم المطففين، وهو اسم سورة قرآنية.
يقول تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ [سورة المطففين ]
ومما جاء في عهد أمير المؤمنين علي لمالك الأشتر: «أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ [أي: أبطل] حُجَّتَهُ، وَكَانَ للهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ وَيَتُوبَ» .
الإنصاف مع الله
يتحدّث الإمام علي عن الإنصاف مع الله ثم مع الناس. إنّ على الإنسان أولًا أن ينصف الله من نفسه، بمعنى ألّا يحيف على حقوق الله لصالح أهواء نفسه.
إنك تأخذ من نعم الله تعالى كلّ وجودك وحاجات حياتك، وكلّ ما تستمتع به، وتطلب من الله ما تريد وما ترغب، ثم لا تعطي من نفسك لله جزءًا مما أنعم الله عليك، وفاءً لحقّ شكره واستجابة لأمره، فأيّ حيفٍ أكبر من هذا؟ وأيّ تجاوز للإنصاف أوضح منه؟
ورد عن الإمام جعفر الصادق : «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَامَ يُصَلِّي، فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَقَالَ : نَقَرَ كَنَقْرِ الْغُرَابِ، لَئِنْ مَاتَ هَذَا وَهَكَذَا صَلَاتُهُ، لَيَمُوتَنَّ عَلَى غَيْرِ دِينِي» .
إنصاف الناس
أما الجهة الثانية من الإنصاف، فهي إنصاف الناس الذين تتعامل معهم في هذه الحياة، بأن تحترم حقوقهم المادية والمعنوية كما تحرص على احترام حقوقك من قبلهم.
وهذا ما ينبض به ضمير الإنسان ووجدانه، وما يأمر به ويؤكد عليه الدين، فلا يجوز للإنسان أن ينحاز لذاته أو لأقربائه أو لأحبته على حساب حقوق الآخرين، مهما كانوا مختلفين عنه في الانتماء الاجتماعي والديني، وحتى لو كانوا مخالفين أو معادين له.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: 135].
وفي الآية الكريمة تحذير شديد من تجاوز العدل والإنصاف حتى مع المعادين والمبغضين، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يدفعكم، ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي عداوتهم وبغضهم، ﴿عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي لترك العدل في التعامل معهم.
مشاهد انعدام الإنصاف
إننا نشهد بعض مظاهر انعدام الإنصاف في حياتنا الاجتماعية، ومن أسوأ تجلياتها ما نراه في الخلافات الزوجية حين يضغط أحد الطرفين الزوج أو الزوجة، لنيل كلٍّ حقه من الطرف الآخر، بل وأكثر من حقه، ثم يحيف على حقّ زوجه.
كما نشهد تجليًا آخر في توزيع الإرث بين الورثة، حيث يتعنّت بعض الورثة، فيماطلون في تقسيم الإرث، أو أخذ ما يزيد على حقهم، وكلّ ذلك ظلم وتجاوز للإنصاف.
ومن التجليات الخطيرة لانعدام الإنصاف، جور الخصوم بعضهم على بعض في حالات الخلاف والنزاع، ومحاولات الالتفاف على أحكام الشرع والقانون.
ومن أسوأ مظاهر عدم الإنصاف، ما نراه في حالات الاختلافات الدينية والفكرية بين أتباع المذاهب، أو بين المختلفين فكريًا داخل المذهب الواحد، حيث تحصل حالات الافتراء والطعن بغير حقّ، وتوجيه الاتهامات الكاذبة، وانكار أيّ إيجابية للطرف الآخر، وهذا ما نهى عنه القرآن الكريم، وما يخالف نهجه في الحديث عن المخالفين للدين، فإنه تعالى يقول عن أهل الكتاب: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: 75]، ففي ظلّ ظروف الصراع مع اليهود تأتي مثل هذه الآية الكريمة، لتمنع صدور أحكام كاسحة سلبية على جميع أهل الكتاب، وأنّهم ليسوا جميعًا يخونون ما اؤتمنوا من مال، بل فيهم أمناء يحفظون الأمانة ولو كانت أموالًا طائلة.
الإنصاف مكاسب عظيمة للإنسان
إنّ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء تسوّل للإنسان تجاوز الإنصاف مع الآخرين، إحرازًا لبعض المكاسب والمصالح، لكنّ الحقيقة أنّ ذلك يوقع الإنسان في خسائر فادحة في الدنيا ولو بعد حين، وفي الآخرة.
إنّ سلوك الإنصاف يثري المشاعر الإيجابية في نفس الإنسان، ويبعده عن عذاب الضمير، ويريحه من تراكمات الحقد والبغضاء على قلبه.
ورد عن أمير المؤمنين علي : «اَلْإِنْصَافُ رَاحَةٌ» .
وورد عن أمير المؤمنين علي : «اَلْإِنْصَافُ يَرْفَعُ اَلْخِلاَفَ وَيُوجِبُ اَلاِئْتِلاَفَ» .
ورد كذلك عن أمير المؤمنين علي : «أَنْصِفْ مِنْ نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْتَصَفَ مِنْكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجَلُّ لِقَدْرِكَ، وَأَجْدَرُ بِرِضَا رَبِّكَ» .
قد يسوّل الشيطان للإنسان أنّ في الإنصاف إبداءً لحالة ضعف وتنازل، لكنّ الله تعالى يزيد المنصف عزًّا ومجدًا .
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



