مقالات
أخر الأخبار

حين يقود الجنون العالم

كتب نصيف الخصاف.. أدى جنون العظمة عبر التاريخ إلى كوارث، وإلى سقوط امبراطوريات ودول، فالإمبراطور الروماني كاليجولا الذي حكم روما في الفترة من 37 حتى 41 للميلاد، وفي إحدى نزواته المدمرة، وضع أخته دروسيلا بعد وفاتها في مقام الآلهة، وأصدر قراراً بأن البكاء عليها جريمة لأنها آلهة، كما أن عدم البكاء عليها جريمة، لأنها أخت القيصر.

وهكذا تعرّض كل مواطن في روما إلى العقاب إن بكى، وإن لم يبك على أخت كاليجولا. وهكذا بلغ بطغيانه حد السفسطة، حسبما يقول مونتسكيو في كتابه “تأملات في تاريخ الرومان”.

وكانت هناك معركة اسمها أكتيوم، انتصر فيها الإمبراطور الذي سبقه، وكان شعب روما يحتفل سنوياً بذكراها، فأصدر قانوناً ينص على معاقبة كل من يحتفل بذكرى معركة أكتيوم، وعلى معاقبة كل مواطن لا يحتفل بذكرى تلك المعركة.

يتساءل مونتسكيو عن تلك الأحداث بقوله “لا بد هنا من وقفة تدبر واعتبار.. هذه روما، كم خاضت من حروب، وكم سفكت من دماء، وكم استأصلت من شعوب، وكم كسبت من معارك، وحققت من انتصارات، وكان مشروعها المذهل امتلاك الأرض بكاملها، فهل قامت روما بهذا المجهود الجبار لتشبع في النهاية نهم خمسة أو ستة وحوش، مثل كاليجولا؟”.

وفي التاريخ الحديث يبرز اسم هتلر ربما كأوضح مثال. فقراراته العسكرية المجنونة -كغزو الاتحاد السوفيتي وإعلان الحرب على أمريكا في آنٍ واحد- قاد ألمانيا والعالم إلى دمار شامل. وصف كثير من المؤرخين وعلماء النفس حالته بالبارانويا والنرجسية المرضية.

وفي منطقتنا -إلى ما قبل الحرب الأخيرة- يبرز صدام حسين كأبرز مثال فيها، فقد غزا إيران ثم الكويت بقرارات فردية مبنية على تقدير مشوّه للواقع، لا تخدم سوى هوسه بالعظمة الفارغة، أدت إلى تدمير العراق، وفقدانه لأرواح كثيرة من خيرة شبابه، بالإضافة إلى أموال طائلة كان يمكن أن تنقل البلد إلى مستوى آخر من التقدم والرفاهية، وما زال العراق يعاني تبعات تلك الحروب، وسيبقى يعاني تبعاتها إلى سنوات كثيرة مستقبلاً.

أما الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فقد نجح أحد المهووسين بالحروب والدمار، نتنياهو، بجر مهووس آخر بالعظمة، ترامب، إلى حرب كارثية مع إيران، دون رؤية لأفق حل يستحق كل هذا الدمار، ويستحق المجازفة بحاضر ومستقبل بلدان المنطقة، والمجازفة بأرواح أبناءها، ودون تحديد أهداف يمكن تحقيقها بالحرب، مما لا يمكن تحقيقها بالمفاوضات.

سبق أن أعلن ترامب، تأسيس ما أسماه، مجلس السلام العالمي، وعين نفسه رئيساً له، ولم يكن أمام حلفائه غير الالتحاق بهذا المجلس، ومجاراته لإشباع غروره، عسى أن يكون ذلك فاتحة “سلام” على العالم، الذي افتقدها منذ مدة.

قاد “رئيس مجلس السلام” الحرب ضد إيران، متحالفاً مع نتنياهو، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والمطلوب داخل إسرائيل، بتهم فساد، يتوسط “رئيس مجلس السلام العالمي” له عند الرئيس الإسرائيلي، لمنحه العفو عن جرائمه تلك. فما الذي سينتج من هذه الخلطة غير الدمار والمزيد من الفوضى؟.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لأن تظهر نفسها مثالاً أعلى للعلمانية والتسامح الديني، يصف وزير حربها، الذي يضع وشم صليب القدس، الحرب ضد إيران بأنها “حرب صليبية”، حيث ذكر في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية”، “أن مَن يستفيدون من الحضارة الغربية ينبغي أن يشكروا الصليبيين، وأن الزمن الحالي يشبه زمن الحروب الصليبية”.

وصفت الصحفية شارلوت لالان في مجلة ليكسبريس الفرنسية، هيغسيث في عنوان مقالها بأنه “متعصب للحروب الصليبية يرى أن إيران ليست سوى الخطوة الأولى” في ذلك.

وتؤكد أن وزير الحرب الأمريكي إنما يعتبر ما يقوم به نوعاً من الانتقام، وهنا تعرض الكاتبة حادثة تعود إلى عام 2021 عندما مُنع من المشاركة في مراسم تنصيب الرئيس السابق جو بايدن، بسبب وشم يحمل عبارة “الرب يريد ذلك ” (Deus Vult)، وهو الشعار الذي استخدمه الصليبيون في القرن الحادي عشر وأصبح لاحقا شعاراً متداولاً لدى بعض أوساط أقصى اليمين.

وتنقل لالان ما كتبه هيغسيث في كتابه بالحرف: “كما فعل الصليبيون المسيحيون الذين صدّوا الجحافل المسلمة في القرن الثاني عشر، سيتعين على الصليبيين الأمريكيين إظهار الشجاعة نفسها في مواجهة الإسلاميين”. يتحالف هذا الشخص مع نتنياهو الذي قال في خطاب متلفز يوم الأربعاء 25 تشرين أول 2025، “نحن أبناء النور بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام”.

وأضاف “سنحقق نبوءة إشعياء، لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببا في تكريم شعبكم، سنقاتل معا وسنحقق النصر”. وذكر نصاً آخر من التوراة فقال “يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس. ونحن نتذكر ذلك بالفعل، ونحن نقاتل بجنودنا الشجعان، وفرقنا الذين يقاتلون الآن في غزّة وحولها وفي جميع المناطق الأخرى في إسرائيل”.

امتلك هؤلاء كل أدوات الدمار وأفتكها، لإجبار العالم، على الالتحاق بهم، في حرب، يصفونها هم بأنها “حرب دينية”، وهناك من انجر إلى هذه اللعبة المدمرة للأسف، مع أنهم لا يؤمنون قدر أنملة، بالأديان، ويعدونها شيء من اختراع البشر لا أساس لها من الصحة.

ما يدفعني إلى التساؤل، كما فعل مونتسكيو عن أحداث الرومان، فلا بد من وقفة تأمل، وتدبر.. أحقاً هذه الولايات المتحدة، بلد أرنست همنغواي، صاحب رواية “وداعاً للسلاح”، ووليام فولكنر صاحب رواية “الصخب والعنف”، وبلد مارك توين، وجون شتاينبك، وسكوت فيتز جرالد، وهيرمان ملفيل، وأدغار آلن بو؟.

 

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى