مقالات
أخر الأخبار

حين يثقل العطاء على القلوب المريضة… ويبقى الكرم عنوان الأحياء

في الوقت الذي تتجلى فيه أسمى معاني الإنسانية والتكافل، ويهب المؤمنون والأحرار لنصرة إخوانهم في الشدائد، يخرج علينا من يستثقل هذا العطاء، ويشكك في دوافعه، ويعترض على مساراته، وكأن الرحمة باتت تهمة، والإنفاق في سبيل الله موضع مساءلة!

 

والله سبحانه وتعالى يقول :﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ (البقرة: 110)

 

وقد وصف القرآن الكريم أمثال هؤلاء بقوله تعالى:﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾(الماعون: 6-7)

 

فهم لا يحسنون الفعل، ولا يتركون غيرهم يحسن

 

ونحن هنا نجيب هؤلاء بعدة أجوبة:

 

أولا: لم يمنعكم أحد من خدمة المعوزين من أبناء العراق، بل إن هذا باب مفتوح للجميع، فأنى لكم الاعتراض وأنتم لم تعرفوا بهذا الميدان؟!

 

وأين كنتم عنهم سابقا؟! أفي غيبوبة ضمير كنتم؟!

 

فإذا رأيتم الغيارى تحركوا، استيقظت ضمائركم؟!

 

ومع ذلك نقول: إن المتبرعين أصحاب فضل عليكم، إذ أيقظوا فيكم – ولو متأخرا – ما خمد من الإحساس أو غاب من الضمير

 

ثانيا: لماذا التشكيك في نوايا المتبرعين؟!

 

هل نصبتم أنفسكم أوصياء على القلوب؟!

 

أم أنكم اطلعتم على السرائر فعرفتم ما خفي عن غيركم؟!

 

قال تعالى:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32)

 

ثالثا:من قال إن هؤلاء المتبرعين لم يقوموا بمساعدة أبناء بلدهم؟!

 

كما أن هؤلاء أنفسهم الذين بذلوا ما هو أغلى من المال، حين قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعا عن العراق في وجه الإرهاب، يوم اجتاحته عصابات الإجرام، فلم يفرقوا بين طائفة وأخرى، ولا بين قومية وأخرى، بل ضحوا من أجل الجميع دون انتظار شكر أو مقابل

 

رابعا: ألا ترى – أيها المعترض – أن الفقير والمعوز نفسه شارك بما استطاع؟!

 

وهذا أبلغ دليل على أن العطاء ليس حكرا على الغني، بل هو خلق إنساني ينبع من القلب

 

وهؤلاء مصداق قوله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9)

 

خامسا: ألا يجدر بك – كمسلم، بل كإنسان حر – أن تدعم مثل هذه المبادرات التي يدعو إليها الدين، ويؤيدها الضمير، ويباركها الأحرار؟!

 

إن هذه المبادرات لا تقبل الجدل عند من يمتلك الحد الأدنى من الوعي والإنصاف

 

سادسا: أليس من الوفاء رد الجميل؟!

 

وقد وقف هؤلاء الأحبة إلى جانب العراق في أصعب الظروف، يوم كان يواجه أخطر التحديات، فهل يعاب على العراقي أن يرد شيئا من ذلك الوفاء؟!

 

بل أن أهل العراق تعلموا وأستقوا من القرآن الكريم قول الله تعالى:﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)

 

سابعا: حتى لو سلمنا – جدلا – بوجود ملاحظات، فإن الحكمة تقتضي تأجيلها إلى ما بعد انقضاء الأزمة، لا أن تطرح في أوج المعاناة، فتثبط العزائم وتضعف الهمم

 

ثامنا: لماذا توجهون اللوم إلى عامة الناس، ولا تحاسبون المسؤولين والحكام، وهم أولى بذلك وأحق بالمطالبة؟!

 

أليس هذا من قلب الموازين؟!

 

تاسعا: نطالبكم بالاعتذار، لا لأننا بحاجة إليه، بل لأنكم أسأتم إلى صورة الإنسان العراقي، وإلى روح التكافل، وإلى من قدم لهم الدعم

 

عاشرا: واعلموا أن اعتراضكم لم يطفئ جذوة العطاء، بل زادها اشتعالا،

فقد حفزتم كثيرين على التبرع، ليكون ذلك ردا عمليا عليكم

 

نعم كان ردا مؤدبا، لكنه عميق الدلالة، مفاده:

أن العطاء حياة، وأن البخل موت، وأن من يجود بماله، إنما يعبر عن إنسانيته

 

وأختم كلامي وخطابي للمساهمين أهل الجود والكرم

 

أيها الأحبة الكرام، إن العطاء لا يقاس بالحدود الجغرافية، ولا يقيد بالهويات الضيقة، بل هو قيمة إلهية وإنسانية سامية، لا يفهمها إلا أصحاب القلوب الحية

 

وهو أحد مصاديق قوله تعالى:﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 261)

 

فطوبى لمن أعطى، وخاب من اعترض، وسيبقى الكرم عنوان الأحياء مهما نبح المعترضون

 

والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين

 

بقلم السيد رسول الياسري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى