
خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى
[الحلقة الثانية]
حين تنهزم القوة أمام اللامتوقع… سنن الله في إسقاط الجبابرة
أيها الإخوة الكرام، من الأخطاء الشائعة في تحليل مسار الحضارات، أن يتصور – سواء عند المؤالف أو المخالف – أن زوال الحضارات الأرضية، خصوصاً تلك التي لا ترتبط بالسماء، يحتاج إلى حشود ضخمة، وإمكانات هائلة، ومؤن لا تنفد، وأن المواجهة لا تكون إلا بتكافؤ مادي ظاهر.
لكن هذه الرؤية تصطدم مباشرة مع سنن الله تعالى في التاريخ، حيث لا تقاس موازين النصر والهزيمة بالمقاييس المادية وحدها، بل تجري وفق معادلات إلهية دقيقة، قد تسقط أعظم الجبابرة بأبسط الأسباب، وأهون الوسائل، وهذا لا يتعارض مع مبدأ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة الأنفال: 60].
لأن هذا التكليف الإلهي إنما يراد به اختبار الصادقين، وتمييز الجادين في إرادة التغيير من المدعين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [سورة التوبة: 46].
فالإعداد ليس مجرد وسيلة مادية، بل هو محك يكشف صدق النيات، وميزان يفرز أهل العزائم من أسرى التمنيات، إذ لا ينهض بالتغيير من لم يحسن التهيؤ له، ولا يصدق في الدعوى من قصر في العدة.
إن القرآن الكريم يكشف لنا هذه الحقيقة بوضوح حين يقول تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
فالقضية ليست في العدد، ولا في العدة، بل في السنن الإلهية التي تدبر حركة التاريخ من حيث لا يحتسب البشر.
وحين نتأمل في قصص القرآن، نجد أن الله تعالى كثيراً ما يهزم الجبابرة بأشياء لا يلقى لها بال في حسابات البشر.
جالوت، ذلك الجبار الذي أرهب الجيوش، لم يكن في حسبانه أن نهايته ستكون على يد شاب مؤمن، لا يملك سوى إيمانه ومقلاعه، كما قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: 251].
فكانت ضربة حجر، سبباً في سقوط طاغية هز الأرض بجبروته.
فرعون، الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
لم يكن يتصور أن نهاية ملكه ستكون على يد نبي أعزل من سلاح الدنيا، يحمل عصا، فإذا بها تتحول إلى آية من آيات الله، ثم يكون الغرق خاتمته المذلة: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: 25].
نمرود، الذي جادل في ربه واستعلى في الأرض، لم يتوقع أن تكون نهايته على يد مخلوق صغير لا يرى، كما تشير إليه السنن التاريخية التي نقلها أهل التفسير، فيكون هلاكه بأهون الأسباب.
أصحاب سبأ، الذين بنوا حضارة مزدهرة، وأنشأوا السدود والجنات، لم يكن يخطر ببالهم أن يكون انهيارهم بسبب خلل بسيط في منظومتهم، حتى أرسل الله عليهم جرذ يدمر السد فدمر حضارتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: 16].
أن الله تعالى لا يحتاج إلى العوامل الكبيرة في إسقاط الطغاة، بل قد يجعل نهايتهم في أصغر الأسباب وأضعفها في نظر الناس.
إن أخطر ما يغفل عنه الطغاة، هو أن الله تعالى لا يواجههم فقط من حيث يستعدون، بل من حيث لا يحتسبون، كما قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
وهذه الآية تفتح باباً عظيماً لفهم التحولات الكبرى في التاريخ؛ فكم من قوة عظمى انهارت بسبب عوامل لم تكن في حسبانها، وكم من مشروع جبار سقط بأدوات كان يراها تافهة.
وفي زماننا، نرى كيف أن قوى كبرى، تمتلك من الأسلحة والتقنيات ما يفوق الوصف، كانت تخشى مشاريع ضخمة، وتبني استراتيجياتها على أساسها، لكنها قد تفاجأ بأدوات بسيطة، لا تقارن بما تمتلكه من ترسانة، فتربك حساباتها، وتكسر هيبتها.
حيث لم يتوقع الصهاينة والأمريكان، أن يعجزوا أمام طائرة مسيرة لا قيمة لها، وكانت مخاوفهم من البرنامج النووي رغم تحريم العلماء بما فيهم السيد الخامنئي (طاب ثراه) امتلاك ذلك السلاح، وأن الهدف من اليورانيوم التطور العلمي والاستخدام السلمي.
وهنا تتجلى الحقيقة التي أكدها القرآن: أن القوة الحقيقية ليست في ضخامة السلاح، بل في خضوع السنن لإرادة الله تعالى.
فقد يكون الشيء في نظر البشر بلا قيمة، لكنه في ميزان الله سبب لانهيار منظومات كاملة.
إن من لا يؤمن بهذه السنن، يبقى أسير الحسابات المادية، فيظن أن الغلبة للأقوى سلاحاً، والأكثر عدداً، بينما المؤمن يدرك أن المعادلة أعمق من ذلك، وأن النصر قد يأتي من حيث لا يتوقع.
ولهذا يربي القرآن الأمة على هذا الوعي، ليحررها من عقدة الخوف، ومن الانبهار بالقوة المادية، ويربطها بالله تعالى، الذي بيده مفاتيح النصر والهزيمة.
أيها الأخوة الكرام، إن الحضارات التي تنفصل عن السماء، مهما بلغت من القوة، فهي تسير نحو أجلها المحتوم، ولكن ليس بالضرورة أن تسقط بما تتوقعه، بل قد تكون نهايتها بأبسط الأسباب، تحقيقاً لسنة الله في إذلال المستكبرين.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59].
فالعبرة ليست في كيف يسقطون، بل في أنهم سيسقطون حتماً، وأن الله تعالى يأخذهم من حيث لم يكونوا يحتسبون.
نسأل الله تعالى تعالى أن يعجل في فرج مولانا صاحب العصر والزمان، وأن يجعلنا من المطيعين له أنه نعم المولى ونعم النصير.
بقلم السيد رسول الياسري
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



