
كتب برهان المفتي.. ترتبط البيئة بدلالتها لغير المختص في هذا المجال بعوامل محددة، مثل الانبعاثات إلى الجو ومعالجة النفايات بأنواعها، والماء والمساحات الخضراء، وهي عوامل صحيحة، ولكنها ليست كل شيء في هندسة البيئة والإدارة البيئية السليمة، حيث أنّ لكل عامل من هذه العوامل امتدادات متشابكة تجعل تأثيراتها وتداعياتها معقدة، وتحدياتها متداخلة في حال عدم التعامل معها تعاملاً عملياً مهنياً باستراتيجية وتخطيط متوازن.
وأحد تلك التشابكات والتداخلات المعقدة هو تأثير التغيّر المناخي على الأصول الثابتة والمتحركة (الأساسات والمعدات)، وبمعنى آخر على الموارد غير البشرية، وهي موارد مهمة في الاقتصاد وفي أي مشروع وبخاصة المشاريع الخدمية التي لها تماس مباشر مع المواطنين في تفاصيل يومهم وتعاملاتهم، وتكون هذه الموارد ضمن كلفة رأس المال في الموارد الثابتة (البناء – المخازن – الخزانات – الطرق والجسور)، وضمن الكلفة التشغيلية في إدامة وصيانة الموارد الثابتة باستخدام المعدات، وأيدي عاملة، والخدمات اللوجستية والقائمين عليها.
فمثل هذه الموارد تكون معرّضة للظروف الجوية والمناخية، وأيّ تغيّر – فوق المعدلات التي اعتمدت في الحسابات التصميمية – يجعل كفاءة هذه الأصول والموارد دون توقعات المستخدمين والمتعاملين، وبذلك يقل عمر الاستخدام والتشغيل والاستفادة من هذه الأصول، وتسارع الاندثار والاستهلاك (الاندثار هنا مصطلح اقتصادي نشير به إلى توزيع كلفة الموارد غير البشرية – الأصول -إلى سنوات استخدامه، إذ أن القيمة المالية لهذه الأصول تقل بمرور السنوات بطرح نسبة كل سنة من القيمة الأولية).
ونرى بوضوح تأثير الظروف المناخية بكل ما يحيط بنا، فارتفاع الحرارة في الصيف في السنوات الأخيرة – بتطرف فوق معدلاتها المسجلة بسبب التغيّر المناخي – وفوق الحسابات المعتمدة في التصميم، والعواصف الترابية والرملية، والعوالق الميكرونية في الجو، وغير ذلك كلها متغيرات بيئية تحيط – بشكل مباشر – بالأصول والموارد غير البشرية، وعدم الأخذ بها في حسابات المشاريع يعني خسارة مؤكدة، ومثل هذه الخسائر نشاهدها في تشققات المباني والإنشاءات والجسور، وكذلك الشوارع الداخلية في المدن، والطرق الخارجية بخاصة تلك التي تستخدم للحمولات الثقيلة.
كما تؤثر العواصف الرملية والغبار والعوالق الميكرونية على كفاءة الاجهزة الدقيقة ومستشعراتها، تلك التي تعتمد على نقل الإشارات لتسجيل المؤشرات الموقعية في مواقع العمل، إضافة إلى التأثير الكبير للتغيّر المناخي على الهياكل الحديدية، (مثل المستودعات والمخازن) بخاصة تلك التي ليست محمية ضد التآكل.
وبحسب التقارير العالمية، فإن التغيّر المناخي يسبب خسائر مالية كبيرة، وتتوزع تلك الخسائر بين مختلف القطاعات، وتشير بعض التقارير العالمية التي تنشرها المؤسسات المالية والاقتصادية المعنية المعتمدة والموثوقة في البيانات المالية حول العالم، إلى أرقام ضخمة كخسائر عالمية تثقل الاقتصاد العالمي، وكان من الممكن توجيهها إلى مشاريع مستدامة لو كانت البيئة وتغيّراتها في أولويات السياسات الدولية، ولعدم وجود تقارير محلية منشورة عن نسبة الخسائر، فإننا نراجع ونعتمد على التقارير والمنظمات والمعاهد العالمية التي تضعنا أمام صدمة اقتصادية بالأرقام المليارية الضخمة في بعض المجالات، خاصة في مجال الاستثمار العقاري وشبكات البنى التحتية وصيانتها والخسائر في تأهيل تلك الشبكات.
وتأتي الخسائر من المبالغ التي تصرف على الصيانة، التي تكون في الغالب ليست بمستوى التصميم الأصلي وبالتالي عمليات صيانة متكررة وخسائر تراكمية.
ففي مجال البناء، تزداد كلفة الصيانة لمواجهة تأثير التغيّر المناخي بخاصة على واجهات المباني في المدن والمناطق، التي تتعرض إلى موجات مناخية متطرفة من الحرارة العالية والعواصف الترابية مثل صيانة (الطلاء، الواجهة الزجاجية)، أو كلفة صيانة الطرق وأساسات الجسور، وتزداد كلفة الصيانة مع السنوات وهي مرتبطة بالاندثار التي أشرنا إليه في فقرة سابقة من هذه المقالة.
وهكذا، فإن البيئة لم تعد ملفاً يدار من المكاتب الإدارية، ولا ملفاً بحقيبة واحدة، بل ملفاً بارتباطات وتداخلات مع القطاعات المختلفة وقد نقول مع القطاعات كلها دون أي تردد، ولكي نكون بمستوى مواجهة هذه التحديات المرتبطة بالتغيّر المناخي، فإننا بحاجة إلى إعادة دراسة الملف البيئي بشمولية أوسع وبتكامل تام، ومثل هذه الإعادة تتطلب إجراءات من مستويات مختلفة، بدءاً من صياغة القوانين والتشريعات، وأن تكون لجنة البيئة في البرلمان لجنة مهنية علمية بخبرة كبيرة في ملف البيئة، وعقد شراكات عالمية مع دول نجحت في حلول التحديات البيئية، لأخذ ذلك كنماذج، ولكن ليس الأخذ بها مستنسخة، فلكل دولة ظروفها ومناخها، ولكن من الممكن الاستفادة من النماذج المطبقة وجعلها تناسب الظروف العراقية، واختيار الفريق التنفيذي اختياراً مهنياً، والشيء المهم في هذا الجانب أن تقوم جهة بيئية معتمدة بإصدار تقارير دورية تتمتع بشفافية ونزاهة عن الخسائر، التي تسببها تأثيرات التغيّر المناخي، بذلك توزع المهام والمسؤوليات الرسمية وغير الرسمية لتقليل تلك الخسائر، وتوجيه تلك الاموال إلى مشاريع خدمية.
وقد يكون من المفيد مناقشة فكرة جائزة بيئية على المستوى الوطني لتشجيع المنافسة بين المدن والمحافظات، وأن تكون تلك الجائزة بنظام غير تقليدي، بل بفعاليات مجتمعية في كل مدينة أو منطقة، يشترك فيها الجميع مثل مهرجانات بيئية ترفع الوعي البيئي ويضع كل فرد ضمن مسؤولياته تجاه البيئة التي تحيط به ويعيش بها، وبهذه نبني قاعدة بيئية رصينة نعتمد عليها في السنوات القادمة، وكل شيء ممكن في وجود تخطيط سليم واستراتيجية وطنية برؤية موحدة نحو أفق الغد.. الغد الذي قد بدأ اليوم.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



