
كتب علي حميد الطائي: تتفق أغلب الأدبيات الاقتصادية على أن الاستثمار يبحث عن الاستقرار قبل أن يبحث عن الأرباح، لأن رأس المال بطبيعته يميل إلى البيئات القابلة للتنبؤ ويتجنب البيئات التي ترتفع فيها مستويات المخاطر وعدم اليقين، ولذلك غالباً ما يُنظر إلى الاستقرار السياسي بوصفه أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها السياسة الاستثمارية في مختلف دول العالم.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان الاستقرار السياسي وحده كافياً لصناعة سياسة استثمارية ناجحة، أم أنه يمثل شرطاً ضرورياً دون أن يكون شرطاً كافياً.
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في العراق، الذي يعيش خلال السنوات الأخيرة حالة من الاستقرار السياسي عالي مقارنة بمراحل سابقة، وهو ما يدفع إلى إعادة قراءة العلاقة بين الاستقرار السياسي والسياسة الاستثمارية، بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي تختزل نجاح الاستثمار بعامل واحد مهما بلغت أهميته.
عند تحليل البيئة الاستثمارية، تُعدّ أداة باستيل “PESTEL” من أكثر النماذج استخداماً لفهم المؤثّرات الخارجية في الاستثمار، حيث تتابع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية والقانونية.
وفي هذا النموذج لا يمثّل البعد السياسي مجرّد عنصر من العناصر، بل يشكّل نقطة الانطلاق التي تؤثّر في بقية المتغيّرات، فاستقرار الحكومات ووضوح السياسات العامة وقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها عوامل تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والتشريعات وسلوك المجتمع وثقة المستثمرين.
وقد أثبتت التجارب الدولية أنَّ العلاقة بين الاستقرار السياسي والاستثمار ليست علاقة نظرية فحسب، بل هي علاقة يمكن قياسها عملياً من خلال حركة رؤوس الأموال العالمية.
فدول مثل سنغافورة والإمارات العربية المتحدة لا تمتلك المساحات الزراعية الشاسعة ولا الثروات الطبيعية المتنوّعة التي تمتلكها دول أخرى، لكنّها استطاعت أن تتحوّل إلى مراكز استثمارية عالمية بفضل الاستقرار السياسي ووضوح الرؤية الاقتصادية وكفاءة المؤسّسات.
وفي المقابل شهدت دول عديدة تمتلك موارد طبيعية ضخمة تراجعاً في جاذبيتها الاستثمارية، نتيجة الاضطرابات السياسية وعدم استقرار السياسات العامة وتكرار التغيّرات في التشريعات والقرارات الاقتصادية.
غير أنَّ الاستقرار السياسي لا ينبغي أن يتحوّل إلى مفهوم مطلق أو إلى غاية بحدّ ذاته، لأنَّ التجربة الدولية تقدّم لنا درساً آخر لا يقلّ أهمية، وهو أنَّ بعض الدول استطاعت تحقيق استقرار سياسي طويل الأمد دون أن تنجح في بناء بيئة استثمارية تنافسية، بسبب ضعف المؤسّسات أو تعقيد الإجراءات أو غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين الاستقرار السياسي بوصفه فرصة، وبين القدرة على استثمار هذه الفرصة من خلال سياسات استثمارية فعّالة.
وفي العراق تبدو هذه المعادلة واضحة إلى حدٍّ كبير، فخلال السنوات الأخيرة شهدت البلاد تحسّناً ملحوظاً في مستويات الاستقرار السياسي والأمني مقارنة بالسنوات التي أعقبت عام 2003، وقد انعكس ذلك على النشاط الاقتصادي وعلى تشريع قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل، وعلى توسّع المشاريع الاستثمارية في قطاعات مختلفة، كما ارتفعت وتيرة الاهتمام الدولي بالسوق العراقية باعتبارها إحدى الأسواق الواعدة في المنطقة.
لكنّ القراءة الموضوعية للمشهد الاستثماري تكشف أنَّ الاستقرار السياسي لم يتحوّل بعد إلى نتائج استثمارية تتناسب مع حجم الإمكانات التي يمتلكها العراق.
فالعراق يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وثروات طبيعية كبيرة وسوقاً استهلاكية واسعة وقوّة بشرية شابّة، ومع ذلك ما تزال مساهمته في جذب الاستثمارات الأجنبية دون مستوى الطموح وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية.
إذا كان الاستقرار السياسي متحقّقاً بصورة أفضل من السابق فلماذا لا تزال بعض الفرص الاستثمارية تتعثّر أو تتأخّر؟.
الجواب؛ لا يرتبط بالاستقرار السياسي وحده بل يرتبط بمدى قدرة السياسة الاستثمارية على تحويل هذا الاستقرار إلى إجراءات عملية، فالمستثمر لا يقيس الاستقرار بعدد السنوات التي مرّت دون أزمات سياسية فقط بل يقيسه بسرعة إنجاز المعاملات ووضوح الصلاحيات واستقرار التشريعات وفاعلية القضاء وقدرة المؤسّسات على تنفيذ التزاماتها.
ومن هنا يمكن القول إنَّ التحدّي الحقيقي لم يعد يتمثّل في تحقيق الاستقرار السياسي بقدر ما يتمثّل في استثمار هذا الاستقرار لبناء مؤسّسات أكثر كفاءة.
كما أنَّ تحليل باستيل يقودنا إلى نقطة أخرى غالباً ما يتم إغفالها وهي البعد الاجتماعي، فالاستثمار لا يتحرّك داخل فراغ إداري أو قانوني بل يعمل داخل مجتمع له ثقافته وتوقّعاته ومواقفه من القطاع الخاص ومن المستثمر المحلي والأجنبي.
وفي العراق ما زالت بعض التحدّيات الاجتماعية تؤثّر بصورة غير مباشرة في البيئة الاستثمارية، ومنها ضعف الثقافة الاستثمارية وارتفاع توقّعات التوظيف الحكومي ومحدودية الوعي المجتمعي بأهمية القطاع الخاص في تحقيق التنمية.
كما أنَّ نجاح أيِّ مشروع استثماري يرتبط بمدى قبول المجتمع المحلي له وبقدرته على توفير فرص عمل حقيقية وتعزيز التنمية المحلية، وهو ما يجعل العامل الاجتماعي جزءاً أساسياً من معادلة الاستثمار وليس عاملاً ثانوياً كما يُعتقد أحياناً.
ومن زاوية نقدية فإنَّ السياسة الاستثمارية العراقية ما زالت بحاجة إلى الانتقال من مرحلة منح الإجازات الاستثمارية إلى مرحلة إدارة الأثر الاستثماري، فالمؤشّر الحقيقي للنجاح لا يتمثّل بعدد الإجازات الممنوحة بل بحجم المشاريع المكتملة وعدد فرص العمل المتحقّقة ومستوى القيمة المضافة التي تتركها تلك المشاريع في الاقتصاد الوطني.
كما أنَّ المرحلة المقبلة تتطلّب تعزيز التكامل بين الاستقرار السياسي والإصلاح المؤسّسي، من خلال تقليل التداخل بين الجهات الحكومية وتبسيط الإجراءات وتوسيع التحوّل الرقمي وتحقيق مزيد من الوضوح في توزيع الصلاحيات والمسؤوليات.
فالاستقرار السياسي يوفّر الأرضية اللازمة للاستثمار لكنّ السياسة الاستثمارية هي التي تحدّد ما إذا كانت هذه الأرضية ستتحوّل إلى مشاريع وفرص عمل وتنمية مستدامة أم ستبقى مجرّد إمكانات غير مستثمرة.
وفي العراق تبدو الفرصة اليوم أكبر من أيِّ وقت مضى، غير أنَّ الحفاظ على هذه الفرصة يتطلّب الانتقال من مرحلة الاحتفاء والفرح بالاستقرار السياسي إلى مرحلة توظيفه استراتيجياً ضمن رؤية استثمارية متكاملة تنظر إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع بوصفها حلقات مترابطة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، وعندها فقط يمكن أن يتحوّل الاستقرار السياسي من حالة ظرفية مؤقتة إلى قيمة تنموية مستدامة قادرة على إعادة تشكيل مستقبل الاستثمار في العراق.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



