مقالات

الأثر الآخر للفساد

كتبت نرمين المفتي.. لم يعد الفساد المالي والإداري في العراق مجرد ملف قانوني أو قضية سياسية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

فمنذ سنوات، تكاد نشرات الأخبار لا تخلو من إعلان عن الفساد والمحسوبيات وهدر الاموال العامة. ومذ صولة “الفجر الأبيض” فإن أخبار ضبط مليارات الدنانير، أو العثور على سبائك ذهب، أو مصادرة عشرات العقارات والسيارات العائدة إلى مسؤول أو موظف استغل منصبه لتحقيق ثراء غير مشروع، أصبحت يومية.

وقد يبدو أن هذه الأخبار تحمل رسالة واحدة، لكنها في الحقيقة تترك في المجتمع آثاراً متناقضة، بعضها يعزز الثقة بالدولة، وبعضها الآخر يثير القلق والإحباط.

فالجانب الإيجابي لا يمكن إنكاره. إن الإعلان عن كشف قضايا الفساد يبعث برسالة مفادها أن أجهزة الرقابة والتحقيق والقضاء ما زالت تعمل، وأن المال العام ليس متروكاً بلا حماية. كما أن نشر هذه القضايا يعزز حق الرأي العام في المعرفة، ويؤكد أن الجرائم الاقتصادية لم تعد تُدفن جميعها في الأدراج المغلقة. وفي الوقت نفسه، قد يشكل كشف الفاسدين عامل ردع لكل من يفكر في استغلال المنصب لتحقيق ثروة غير مشروعة، كما يمنح المواطنين شعوراً بأن الدولة لا تزال تمتلك القدرة على ملاحقة المتجاوزين، مهما تأخر ذلك.

لكن هذه النتائج الإيجابية لا تكتمل بمجرد الإعلان عن القضية. فالمواطن يريد أن يعرف ما الذي حدث بعد المؤتمر الصحفي والعناوين العريضة. وبعد إعادة الأموال إلى خزينة الدولة ومصادرة الممتلكات، هل صدرت أحكام قضائية ونُفذت؟ إن الخبر لا يكتمل بالكشف عن الجريمة، بل يكتمل عندما يرى الناس إن العملية مستمرة والعدالة أخذت مجراها، والدولة استعادت حقوقها وحقوق مواطنيها. فالإعلان عن ضبط الأموال يمثل بداية الطريق، وليس نهايته.

ولا يقتصر تأثير هذه الأخبار على الداخل، بل يمتد إلى صورة العراق في الخارج. فالمستثمر الأجنبي، والمؤسسات المالية، والشركات العالمية، لا تراقب مؤشرات الاقتصاد وحدها، بل تتابع أيضاً مستوى النزاهة وفاعلية مؤسسات الدولة في مكافحة الفساد. وعندما تتكرر الأخبار عن مليارات منهوبة وثروات هائلة جمعها مسؤولون باستغلال مناصبهم، فإنها تثير تساؤلات عن بيئة الاستثمار والإدارة العامة. صحيح أن كشف هذه القضايا يعكس وجود أجهزة رقابية فاعلة، لكنه يكشف أيضاً حجم المشكلة. ولذلك فإن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها الدولة للعالم ليست الإعلان عن اكتشاف الفساد فقط، بل إثبات قدرتها على استمرار صيد الفاسدين وإنزال العقوبات وإغلاق الملفات بأحكام قضائية نهائية.

وفي المقابل، تترك أخبار الفساد المتكررة أثراً نفسياً واجتماعياً لا يقل أهمية عن أثرها القانوني. فحين يسمع المواطن عن مسؤول يملك مئات العقارات، أو خزائن مليئة بالذهب، أو مليارات الدنانير وملايين الدولارات، فإنه لا يكتفي بالتساؤل عن مصدر تلك الثروة، بل يبدأ بمقارنة مؤلمة بينها وبين حياته اليومية، وراتب الموظف، ومعاش المتقاعد، وأحلام الشباب الذين يبحثون عن فرصة عمل. وهكذا تتحول القضية من خبر عن شخص متهم إلى سؤال كبير عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وعن الكلفة الحقيقية للفساد التي لا تُقاس بالأموال وحدها، بل بالفرص التي ضاعت، والمشاريع التي لم تُنجز، والخدمات التي حُرم منها المواطن.

والأخطر من ذلك أن هذه الأخبار ترسم، من حيث لا نشعر، صورة ذهنية عن المجتمع والدولة. فكلما تكررت الأرقام الفلكية للثروات غير المشروعة، ترسخ في أذهان الناس أن الوصول إلى هذا القدر من الثراء لا يتحقق بالإبداع أو العمل أو الاستثمار، بل عبر المنصب والنفوذ واستغلال السلطة. وحتى لو كان هذا الاعتقاد لا ينطبق إلا على قلة، فإن مجرد انتشاره يضعف ثقة الناس بقيمة العمل الشريف، ويهز إيمانهم بأن النجاح يمكن أن يكون ثمرة الجهد والكفاءة. كما أنه يغذي شعوراً بالظلم لدى الأجيال الجديدة، التي ترى الفارق الهائل بين ما يحققه أصحاب النفوذ، وما يستطيع المواطن العادي تحقيقه خلال عمر كامل من العمل.

لذلك، فإن قيمة الإعلان عن قضايا الفساد لا تُقاس بعدد البيانات الصحفية، ولا بحجم الأموال أو الذهب أو العقارات التي يُكشف عنها، بل بما يترتب عليها من نتائج ملموسة. فإذا رأى المواطن أن الأموال عادت إلى الدولة، وأن الأحكام نُفذت، وأن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء، أصبحت هذه الأخبار مصدراً للثقة وتعزيزاً لهيبة الدولة. أما إذا بقيت القضايا تتكرر بالأرقام نفسها، بينما لا يرى الناس نهاية واضحة لها، فإن الخبر، مهما كانت أهميته، قد يتحول من دليل على قوة الدولة في كشف الفساد إلى دليل على عجزها عن اجتثاثه. وعندها لا تكون الخسارة في المال العام وحده، بل في ثقة المواطن بدولته، وهي الثروة التي يصعب تعويضها إذا فُقدت.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى