مقالات
أخر الأخبار

استرداد المال العام وتحقيق العدالة

كتب د. سعد عزت السعدي: تُعد جرائم الفساد من أخطر الجرائم التي تواجه الدول، لما تسببه من استنزاف للمال العام، وإضعاف لمؤسسات الدولة، وتقويض لثقة المواطنين بمنظومة الحكم.

 

ومع اتساع حجم الأموال المنهوبة وتعقيد عمليات استردادها، برزت في عدد من الدول فكرة التسوية المالية مع مرتكبي جرائم الفساد، والتي تقوم على استرداد الأموال أو جزء كبير منها مقابل منح المتهم مزايا قانونية، قد تصل إلى تخفيف العقوبة أو إنهاء الملاحقة الجنائية وفق ضوابط يحددها القانون.

يواجه العراق معضلة حقيقية في مكافحة الفساد، إذ إن حجم الأموال المهدورة والمنهوبة يقدر بمليارات الدولارات، في حين أن إجراءات التقاضي واسترداد الأموال غالباً ما تكون طويلة ومعقدة، خصوصاً عندما تُهرَّب الأموال إلى خارج البلاد.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز بين الحين والآخر مقترح يقضي بإجراء تسويات مالية مع بعض المتهمين بالفساد، بحيث يعيدون الأموال أو جزءاً منها مقابل تخفيف العقوبة أو إنهاء الملاحقة القضائية.

من الناحية العملية، قد يبدو هذا الطرح مغرياً، لأن الدولة تستعيد أموالاً يمكن توظيفها في بناء المدارس والمستشفيات والبنى التحتية، بدلاً من سنوات من النزاعات القضائية التي قد لا تنتهي باسترداد شيء، لكن هذه الفائدة لا ينبغي أن تحجب سؤالاً أكثر أهمية: هل يمكن أن تصبح الحرية ثمناً يُشترى بالمال؟

في الحالة العراقية، تكمن الخطورة في أن أي تسوية غير منضبطة قد تُفهم على أنها رسالة مفادها أن الفساد مشروع عالي الربح، فإذا انكشف الفاسد أعاد جزءاً من الأموال وخرج حراً، وإذا لم يُكشف احتفظ بما كسبه، مثل هذا التصور يضعف الردع ويقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والقضاء.

لذلك، إذا فُرض اللجوء إلى التسويات، فينبغي ألا تكون عفواً مقنعاً، بل أداة استثنائية تخضع لشروط صارمة، منها: إعادة الأموال كاملة مع العوائد المتحققة منها، والكشف عن جميع الأصول والشركاء، وعدم شمول كبار المتورطين في قضايا الرشوة والاختلاس المنظم، وأن تتم جميع الإجراءات تحت رقابة القضاء وبشفافية كاملة، مع استمرار الحرمان من تولي أي منصب عام.

يرى مؤيدو هذا التوجه أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة الأموال العامة، خاصة عندما يكون التقاضي طويلاً ومعقداً، أو عندما تكون الأموال قد نُقلت إلى الخارج.

ومن هذا المنطلق، فإن التسوية قد تحقق منفعة اقتصادية مباشرة للدولة، وتوفر الوقت والكلفة، وتمكن الخزينة العامة من استعادة موارد يمكن توجيهها إلى مشاريع التنمية والخدمات.

في المقابل، يثير هذا النهج تساؤلات قانونية وأخلاقية مهمة، فالاكتفاء باسترداد الأموال قد يُفهم على أنه يسمح لمن استغل السلطة أو الوظيفة العامة بالإفلات من العقاب، وهو ما قد يضعف مبدأ المساواة أمام القانون، ويقلل من الأثر الرادع للعقوبة.

كما أن الفساد لا يقتصر على الخسارة المالية، بل يمتد إلى الإضرار بمؤسسات الدولة وإضعاف ثقة المجتمع بمنظومة العدالة، لذلك، فإن نجاح أي نظام للتسوية المالية يتوقف على وجود إطار قانوني صارم يحدد شروطها وضماناتها.

وينبغي ألا تكون التسوية حقاً مطلقاً، بل استثناءً يخضع لرقابة القضاء، مع إلزام المستفيد بإعادة الأموال كاملة أو وفق معايير عادلة، والكشف عن جميع الأصول المرتبطة بالجريمة، وعدم الاستفادة من التسوية في الجرائم الجسيمة أو في حالات العود، كما يجب أن تتم الإجراءات بشفافية تضمن الحفاظ على ثقة المجتمع.

وقد لجأت بعض الدول إلى آليات مختلفة لاسترداد الأموال ضمن إصلاحات مكافحة الفساد، إلا أن التجارب أظهرت أن نجاح هذه السياسات يرتبط بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين استعادة المال العام وعدم الإخلال بمبدأ المساءلة وسيادة القانون.

إن التسوية المالية ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة قد تكون مفيدة في ظروف محددة إذا كانت تحقق مصلحة عامة واضحة، وتخضع لضمانات قانونية صارمة، أما إذا تحولت إلى باب للإفلات من العقاب، فإنها قد تشجع على تكرار الفساد بدلاً من مكافحته.

وفي النهاية، تبقى المعادلة الأساسية هي أن استرداد الأموال العامة يمثل حقاً للمجتمع، لكن تحقيق العدالة وسيادة القانون يمثلان الضمان الحقيقي لحماية الدولة ومنع تكرار الفساد.

ومن ثم، فإن أي سياسة لمكافحة الفساد ينبغي أن تجمع بين استرداد الأموال، والمحاسبة القانونية، والشفافية، وتعزيز المؤسسات الرقابية، بما يحقق الردع ويحافظ على ثقة المواطنين بالدولة.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى