
كتبت نرمين المفتي.. في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي 2026، ألقى رئيس وزراء كندا مارك كارني خطابا لفت أنظار القادة والمراقبين الدوليين على حد سواء.
لم يكن مجرد خطاب عادي يراجع السياسات الدولية، بل كان إعلانا جريئا بأن النظام الدولي، الذي عرفه العالم منذ عقود يمر بتحولات عميقة وجذرية.
كلمات كارني تجاوزت النقد التقليدي، لتدعو الدول، وخصوصا القوى المتوسطة، إلى إعادة تقييم موقعها في عالم يهيمن عليه التنافس الشديد بين القوى الكبرى، واستخدام أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي بشكل متزايد .
أكد كارني أن النظام الدولي التقليدي القائم على القواعد لم يعد يضمن الاستقرار أو العدالة أو التوقعات الموثوقة، واصفا إياه بأنه “وهم مفيد” في الماضي.
في الواقع الراهن، تحولت الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد والاستثمارات إلى أدوات للهيمنة، مع إعادة تشكيل العلاقات الدولية لصالح الدول الكبرى على حساب الآخرين.
وللقوى المتوسطة مثل كندا وأوروبا وأستراليا، شدد كارني على ضرورة تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، وبناء تحالفات مرنة، والانخراط النشط.
وكانت عبارته الشهيرة “إذا لم تكن على الطاولة، فأنت على القائمة”، لتوضح أن الحضور الفاعل والمشترك هو السبيل الوحيد للحفاظ على النفوذ وحماية المصالح الوطنية في عالم تتراجع فيه المؤسسات التقليدية.
تضمن الخطاب أيضا خريطة عملية للتعاون الدولي، داعيا الدول إلى تعزيز قدراتها في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والمعادن الحيوية والتمويل، لأن الدول التي لا تستطيع الاعتماد على نفسها قد تجد نفسها مهمشة في ظل فشل القواعد الدولية.
كان جوهر خطابه الواقعية القيمية في مواجهة الواقع الدولي كما هو، لا كما نريد أن يكون.
لم يمر الخطاب من دون ردود فعل قوية. فقد تلقى تصفيقا واسعا داخل المنتدى من القادة والمراقبين، ووصفه كثيرون بأنه أحد أبرز كلمات الاجتماع، لكنه أيضا أثار ردودا حادة من بعض القوى الكبرى.
فقد صرح دونالد ترامب في خطاب منفصل بأن كندا يجب أن تكون ممتنة للولايات المتحدة لوجودها أساسا، في تلميح واضح على التوتر بين التحالفات التقليدية واستراتيجيات الاستقلال الجديدة.
الرسالة التي حملها كارني لها تأثيرات كبيرة أيضا على المنطقة الغربية، التي تمر بتوازنات دقيقة بين القوى الإقليمية والدول الكبرى وسط تحديات سياسية واقتصادية مستمرة.
الخطاب يحمل رسائل غير مباشرة للقيادات العربية حول أهمية تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وبناء القدرة على التعامل بمرونة مع التحولات العالمية.
حتى الآن، لم يخرج أي سياسي قيادي عربي بخطاب بمستوى جرأة كارني، لكن الدول العربية الأكثر تأثيرا، مثل السعودية ومصر، تراقب هذه التطورات عن كثب وتبحث عن كيفية استثمار التحولات العالمية لصالح مصالحها الاستراتيجية.
وقد يمثل هذا الخطاب فرصة لفتح نقاش معمق بين صناع القرار العرب حول استقلالية القرار الوطني وإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والسياسية مع القوى الكبرى، بعيدا عن الاعتماد على المؤسسات الدولية القديمة أو الهيمنة الأجنبية.
كما سلط كارني الضوء على قيود النظام الدولي القديم، مؤكدا أن الاعتماد الكامل على القوى الكبرى للحماية أو للاستقرار الاقتصادي أصبح محفوفا بالمخاطر.
الرسالة واضحة وهي ان العالم يتغير، والقوى المتوسطة يجب أن تتكيف مع التحولات، وتعزز قدراتها الداخلية، وتشكل تحالفات ذكية لحماية سيادتها ومصالحها في عصر باتت فيه الأدوات الاقتصادية وسائل ضغط وسيطرة.
أثار الخطاب أيضا تساؤلات عميقة حول مستقبل المؤسسات متعددة الأطراف، ففي ظل تراجع فعاليتها، يدعو كارني الدول إلى تحمل المسؤولية في تشكيل القواعد والتحالفات التي تحكم مستقبلها، بدلا من توقع أن تقوم المؤسسات القديمة بدور الحكماء والمحايدين.
كان خطاب مارك كارني في دافوس 2026 لحظة تاريخية واستفزازية، تدعو العالم للتفكير بجدية، وتطرح رؤية واضحة وهي أن القواعد القديمة لم تعد قائمة، القوى الكبرى تعيد تشكيل المشهد الدولي، والدول، خصوصا المتوسطة، عليها الاستجابة بعقلانية وشجاعة وحركة استراتيجية.
السؤال الأساسي الذي يطرحه الخطاب على الجميع ويجب التفكير فيه بعمق هو: هل العالم يتغير؟، والإجابة على هذا السؤال هي مفتاح الاستعداد لمستقبل متقلب ومعقد، ليس فقط للغرب والقوى المتوسطة، بل للعالم العربي وكل مناطق العالم التي تتطلع للحفاظ على مصالحها واستقلالها في النظام الدولي الجديد.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



