
كتبت نرمين المفتي: حين نتحدث عن ثروة الدول، يتجه التفكير عادةً إلى الناتج المحلي، والاحتياطي النقدي، والموارد الطبيعية، وهذه مؤشرات أساسية لفهم قوة الاقتصاد، لكن هناك ثروة أخرى لا تظهر في تقارير البنوك، ومع ذلك هي أثمن من النفط والذهب معاً، إنها ثقة المواطن.
هذه الثقة ليست مفهوماً مجرداً، بل هي رأس مال حقيقي تتحدد على أساسه قدرة الدولة على النجاح، ولعل أخطر ما يصيب أي دولة ليس العجز المالي، بل العجز في رصيد الثقة، فالأموال يمكن تعويضها، أما فقدان الثقة فهو أزمة تمتد آثارها إلى كل شيء.
وبحسب “مؤشر إيدلمان العالمي للثقة”، فإن الدول التي يتآكل فيها هذا الرصيد، تعاني تلقائياً من هروب الرساميل، وارتفاع التهرب الضريبي، وهجرة الكفاءات، لأن غياب الثقة يحوّل كل قرار حكومي إلى موضع شك.
إن تحويل الثقة من شعور معنوي إلى قيمة مادية هو المحرك الحقيقي للاستقرار، فالقوانين والتشريعات، مهما بلغت دقتها وصيغت بأيدي الخبراء، تظل حبراً على ورق ما لم يمنحها المجتمع صك الاعتراف الطوعي، عندما تنعدم الثقة، ترتفع ما يسميه علماء الاقتصاد “كلفة المعاملات”، إذ تضطر الدولة إلى إنفاق موارد طائلة على أجهزة الرقابة، والملاحقة، والتدقيق لمجرد إجبار الأفراد على الالتزام، بينما يتحول المواطن إلى مستهلك سلبي يترقب انهيار المنظومة بدلًا من حمايتها.
في المقابل، تشكل الثقة العالية شبكة أمان اجتماعية غير مرئية توفر ملايين الدولارات، لأنها تحفز الاستثمار المحلي، وتشجع المدخرين على إبقاء أموالهم داخل الشرايين الوطنية بدلاً من تهريبها إلى الملاذات الآمنة، وتجعل من المواطن نفسه حارساً للقانون ومدافعاً عن مؤسساته.
إنها المحرك الخفي الذي يمنح الحكومات مرونة الحركة والسرعة في المناورة أثناء الأزمات الطارئة، فبينما تصاب الدول ضعيفة الثقة بالشلل والارتباك عند كل منعطف، تتحرك الدول الواثقة من جبهتها الداخلية بمرونة وثبات، لأن القيادة والشعب يقرآن من كتاب واحد، ويتطلعان إلى أفق مشترك لا يشوبه التخوين أو الشك في النيات.
هذه الثقة لا تُصنع بالمؤتمرات، بل تتشكل ببطء من خلال التجارب اليومية، أن ينجز المواطن معاملته وفق القانون لا النفوذ، وأن يرى نتائج التحقيق في قضايا الفساد معلنة ومطبقة على الجميع.
يثبت التاريخ أن الشعوب تستطيع تحمل إجراءات اقتصادية قاسية إذا وثقت بنزاهة صانع القرار وعدالته، في تسعينيات القرن الماضي، وخلال الأزمة المالية الآسيوية، تجاوزت ماليزيا كارثة محققة لأن الشعب، الذي كان يثق برؤية حكومته، استجاب طواعية لسياسات التقشف ودعم العملة المحلية حتى عبرت البلاد بر الأمان.
البعض يظن أن النهوض يحتاج إلى موارد ضخمة، لكن تجربة سنغافورة تثبت العكس، فهذه الجزيرة استقلت عام 1965 بلا موارد طبيعية أو حتى مياه عذبة، لكنها ركزت على بناء “رصيد الثقة” عبر سيادة القانون الصارمة ومحاربة الفساد، فتحولت إلى واحدة من أغنى اقتصادات العالم.
إن استعادة الثقة تبدأ عندما تصبح الدولة صادقة وقابلة للتوقع، وتجعل أفعالها تسبق كلماتها، فالمواطن قد يغفر التقصير، لكنه لا يغفر الاستخفاف بعقله، لذلك، فإن عملية الترميم هذه لا تحتمل الحلول الترقيعية أو الوعود المؤجلة، بل تتطلب الانتقال الفوري من “عقلية السلطة” إلى “عقلية المؤسسة” المستدامة.
إنها تبدأ بفتح قنوات اتصال شفافة وندية مع الشارع، وتمليك الحقائق للرأي العام دون مواربة في أوقات الأزمات والرخاء على حد سواء، وعندما يرى المواطن أن معايير الكفاءة والنزاهة هي التذكرة الوحيدة لتولي المناصب، وأن المحاسبة تسري على الجميع دون استثناء لخط أحمر أو نفوذ سياسي، عندها فقط يخلع المجتمع ثوب التشكيك المزمن، ليتحول من متفرج ومراقب حذر إلى شريك أصيل يضع كتفه بكتف الدولة لبناء المستقبل.
هناك دول لا تملك ثروات، لكنها تملك ثقة شعوبها فتجتاز الأزمات، وهناك دول حباها الله بالموارد، لكنها استنزفت رصيدها الأهم.
قد يكون النفط ثروة العراق الكبرى، وقد تتغير أسعاره صعوداً وهبوطاً، لكن الثقة تبقى الثروة الوحيدة التي لا تُستخرج من باطن الأرض، بل تُبنى في ضمير الدولة، وهي الثروة التي لا تستطيع الحكومات اقتراضها ولا تعويضها، فإذا امتدت خزائن الدولة بالمليارات، وفرغت قلوب الناس من الثقة، فلن يكفي أي فائض مالي لبناء وطن.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



