
كتب محمد علي الحيدري: ليست قيمة أي حملة على الفساد في عدد أو حجم المعتقلين، ولا في الأسماء التي تتصدر نشرات الأخبار، وإنما في السؤال الأكبر: هل نحن أمام حدث عابر، أم أمام بداية تحول في فلسفة الدولة العراقية؟
لقد اعتاد العراقيون خلال العقدين الماضيين على سماع أخبار عن ملفات فساد ضخمة، ولجان تحقيق، وأوامر قبض، ثم لا يلبث معظمها أن يختفي وسط الضجيج السياسي، أو يتعثر بسبب التدخلات، أو ينتهي إلى تسويات لا يعرف أحد تفاصيلها، لذلك فإن المواطن لم يعد يبحث عن خبر الاعتقال بقدر ما ينتظر رؤية نهايته الطبيعية أمام القضاء.
الحملة الأخيرة تكتسب أهميتها لأنها مست شخصيات يُنظر إليها على أنها جزء من الطبقة السياسية أو من الدوائر القريبة من مراكز القرار، وهذا بحد ذاته يبعث برسالة مفادها أن المساحات التي كانت تعد، في نظر الرأي العام، مناطق محصنة بدأت تخضع للاختبار، لكن الرسائل وحدها لا تكفي، فالدول لا تُبنى بالرسائل، بل بالمؤسسات.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حملة على الفساد هو أن تتحول إلى أداة للصراع السياسي، أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات بين الخصوم، أو إلى حملة انتقائية تستهدف طرفاً وتتجاهل آخر، ففي هذه الحالة لن تنتصر الدولة، بل ستدخل هي نفسها طرفاً في النزاع السياسي، وتفقد الحملة مشروعيتها الأخلاقية والقانونية.
أما إذا استطاعت السلطة أن تثبت أن معيارها الوحيد هو الأدلة، وأن جميع المتهمين يقفون على المسافة نفسها أمام القضاء، فإن العراق سيكون أمام منعطف مختلف تماماً، لأن مكافحة الفساد ستتحول من شعار انتخابي إلى سياسة دولة.
المعركة الحقيقية ليست مع بضعة مسؤولين متهمين، بل مع البيئة التي أنتجت الفساد طوال سنوات، فالموظف الفاسد لا يعمل في فراغ، وإنما داخل منظومة تسمح له بذلك، وتحميه أحياناً، وتوفر له الغطاء السياسي أو الإداري أو الحزبي، ولذلك فإن اعتقال أفراد، مهما كانت مناصبهم، لا يعني تلقائياً أن الفساد يتراجع، ما لم تتغير القواعد التي سمحت له بالنمو.
ومن هنا فإن النجاح الحقيقي يقاس بعدة مؤشرات: هل ستسترد الدولة الأموال المنهوبة؟ هل ستصدر أحكام قضائية رصينة وشفافة؟ هل ستُنشر نتائج التحقيقات للرأي العام؟ وهل ستتكرر هذه الإجراءات بعد أشهر وسنوات، أم أنها ستتوقف بانتهاء الظرف السياسي الراهن؟
كما أن للحملة بعداً استراتيجياً آخر لا يقل أهمية، فالعراق يسعى إلى جذب الاستثمارات وتنشيط اقتصاده وتقليل اعتماده على النفط، ولا يمكن لأي مستثمر جاد أن يغامر بأمواله في بيئة يشعر فيها بأن القانون ضعيف، أو أن النفوذ السياسي أقوى من القضاء، ولذلك فإن مكافحة الفساد ليست مجرد قضية أخلاقية، بل هي أيضاً قضية تنموية واقتصادية وأمن قومي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي عدم المبالغة في التفاؤل المبكر، فالتاريخ العراقي الحديث مليء بالحملات التي بدأت بقوة ثم فقدت زخمها، ولذلك فإن الحكمة تقتضي انتظار النتائج، لا الاكتفاء بالمقدمات، فالدولة لا تقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بعدد الأحكام القضائية العادلة، وحجم الأموال المستردة، ومدى منع تكرار الجريمة.
لقد تعب العراقيون من الخطابات، وأصبحوا يريدون الوقائع، يريدون أن يروا مسؤولاً كبيراً يحاكم وفق القانون إذا ثبتت إدانته، تماماً كما يحاكم الموظف الصغير، ويريدون أن يشعروا بأن المنصب لم يعد حصانة، وأن الانتماء السياسي لم يعد مظلة، وأن المال العام أصبح حقاً لا يجوز العبث به.
إذا كانت هذه الحملة بداية لهذا المسار، فإنها تستحق الدعم الوطني الكامل، لأنها ستكون خطوة في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، أما إذا بقيت مجرد حدث إعلامي ينتهي بانتهاء الاهتمام الشعبي، فإنها ستضيف خيبة جديدة إلى ذاكرة العراقيين المثقلة بخيبات كثيرة.
إن معركة الفساد، في جوهرها، ليست معركة ضد أفراد، بل هي معركة من أجل الدولة نفسها، والدول لا تنتصر في هذه المعركة إلا عندما يصبح القانون أقوى من السياسة، والقضاء أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أعلى من مصالح الأحزاب والأشخاص، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يخرج فعلاً من زمن الإفلات من العقاب إلى زمن سيادة الدولة.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



