
كتب محمود جابر .. قراءة في خلفيات استهداف أحد أبرز امتدادات المدرسة الصدرية
في عالم السياسة والفكر والدين، لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المادحين لهم، بل كثيراً ما تُقاس بحجم الخصومات التي يثيرها حضورهم وتأثيرهم. فالشخصيات العابرة تمر بهدوء، أما الشخصيات المؤثرة فإنها تتحول إلى ساحة صراع تتقاطع عندها المشاريع المتنافسة والحسابات المتضاربة.
ومن بين الشخصيات التي تعرضت خلال العقود الأخيرة لحملات متواصلة من التشويه والتسقيط، يبرز اسم سماحة المرجع الشيخ محمد اليعقوبي، الذي أصبح هدفاً دائماً لخصوم متعددين تختلف عناوينهم وتلتقي أهدافهم.
والسؤال الحقيقي ليس: لماذا يختلف البعض مع اليعقوبي؟ فالاختلاف أمر طبيعي وصحي. وإنما السؤال الأهم هو: لماذا يتحول هذا الاختلاف في كثير من الأحيان إلى حملات منظمة تتجاوز النقد العلمي إلى محاولات النيل من المكانة والرمزية والتأثير؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر إلى موقع الشيخ اليعقوبي داخل المشهد الشيعي العراقي والإسلامي، وإلى طبيعة المشروع الذي يمثله.
أولاً: استهداف الامتداد الصدري
لا يمكن فهم شخصية الشيخ محمد اليعقوبي بمعزل عن المدرسة التي تخرج فيها، وهي مدرسة الشهيد المرجع السيد محمد محمد صادق الصدر، المعروف بالصدر الثاني.
لقد كان الصدر الثاني ظاهرة استثنائية في تاريخ العراق الحديث، ليس فقط بسبب مكانته العلمية، بل بسبب نجاحه في إعادة ربط الحوزة العلمية بالجماهير، وإحياء روح المبادرة والحضور الاجتماعي والسياسي والديني في زمن كانت فيه المؤسسات الدينية تعيش ظروفاً بالغة الصعوبة.
وفي هذه المدرسة نشأ الشيخ محمد اليعقوبي، وتتلمذ على يد أستاذه، واكتسب منه الكثير من أدوات التفكير والحركة والعمل الميداني.
ومن هنا فإن كثيراً من أنصار اليعقوبي يرون أن استهدافه لا يتعلق بشخصه وحده، بل يتصل بمحاولة إضعاف أحد الامتدادات الفكرية والعلمية للمدرسة الصدرية التي أسسها الشهيد الصدر الثاني.
فالمعركة في نظر هؤلاء ليست مع رجل واحد، بل مع مشروع كامل ترك بصمته في الواقع العراقي، وما زال حاضراً في وجدان شرائح واسعة من الناس.
ثانياً: ثمن الموقف السياسي
السبب الثاني الذي يفسر حجم الهجوم على الشيخ اليعقوبي يرتبط بمواقفه السياسية الواضحة.
ففي زمن اشتد فيه الصراع بين مشروع الهيمنة الأمريكية من جهة، ومحور المقاومة من جهة أخرى، لم يكن اليعقوبي من الشخصيات التي اختارت الصمت أو المسايرة.
لقد عبّر في أكثر من مناسبة عن دعمه لقضايا الأمة ورفضه للمشاريع الأمريكية والصهيونية التي تستهدف المنطقة، وهو ما جعله بطبيعة الحال في مواجهة مع قوى وتيارات لا تنظر بعين الرضا إلى هذه المواقف.
وفي عالم الصراعات الكبرى، لا يُستهدف الرمز بسبب شخصه فقط، بل بسبب ما يمثله من تأثير معنوي وقدرة على تشكيل الوعي العام.
من يقف خلف حملات التشويه؟
عند متابعة طبيعة الحملات التي تستهدف الشيخ اليعقوبي، يلاحظ المرء أنها لا تنطلق دائماً من خلافات علمية أو فقهية خالصة، بل تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والإعلامية بصورة واضحة.
ويعتقد كثير من المتابعين أن بعض الجهات المرتبطة بما يُعرف بالأوساط الشيعية الغربية، وبعض الشخصيات والمؤسسات الناشطة في لندن، تلعب دوراً مؤثراً في توفير المنصات الإعلامية والخطابات التي تستهدف المرجع اليعقوبي بصورة مستمرة.
كما يذهب آخرون إلى أن بعض المحسوبين على مؤسسات وشبكات إعلامية معروفة تبنت منذ سنوات خطاباً ناقداً أو معارضاً للخط الصدري وللشخصيات التي تمثل امتداداته الفكرية والاجتماعية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد خلاف فقهي أو اجتهادي، بل بصراع أعمق على هوية المرجعية ودورها وعلاقتها بالجماهير وقضايا الأمة.
ولذلك فإن كثيراً من أنصار اليعقوبي يرون أن الهجوم عليه يجمع بين هدفين واضحين:
الهدف الأول هو استهداف المدرسة الصدرية التي أسسها الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر، عبر محاولة إضعاف الرموز التي تمثل استمراراً لهذا النهج بعد استشهاده.
أما الهدف الثاني فهو معاقبة كل صوت ديني يرفض الاصطفاف مع المشروع الأمريكي أو يعلن موقفاً داعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني.
ومن هنا فإن الحملات التي تُدار من بعض المنصات الإعلامية لا تبدو، في نظر مؤيدي اليعقوبي، مجرد خلافات فكرية بريئة، بل جزءاً من صراع سياسي وإعلامي أوسع تُحاك خيوطه بعيداً عن الأضواء، وتتحرك فيه مصالح وحسابات تتجاوز شخص المرجع نفسه.
بين النقد والتسقيط
ومن الضروري هنا التفريق بين النقد والتسقيط.
فالنقد حق مشروع بل ضرورة فكرية وعلمية. أما التسقيط فهو شيء مختلف تماماً؛ لأنه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن تشويه الصورة وإسقاط المكانة المعنوية للشخصية المستهدفة.
النقد يناقش الأفكار. أما التسقيط فيستهدف الأشخاص.
النقد يطلب الدليل. أما التسقيط فيبحث عن الشائعة.
ولهذا فإن الحكم على الرجال ينبغي أن يكون من خلال نتاجهم الفكري والعلمي والاجتماعي، لا من خلال الحملات الإعلامية التي تتغير بتغير الظروف والمصالح.
ماذا حققت تلك الحملات؟
بعد سنوات طويلة من الاستهداف الإعلامي والسياسي، يبقى السؤال الأهم:
هل نجحت تلك الحملات في إنهاء حضور الشيخ محمد اليعقوبي؟
الجواب الذي يقدمه الواقع هو: لا.
فالرجل ما زال حاضراً في الساحة العلمية والاجتماعية، وما زالت مؤسساته الدينية والثقافية تعمل داخل العراق وخارجه، وما زال يمتلك قاعدة واسعة من الأتباع والمؤيدين.
بل إن استمرار هذه الحملات طوال هذه السنوات يكشف، بصورة غير مباشرة، أن الرجل ما زال يمثل رقماً مؤثراً في المعادلة الفكرية والدينية العراقية.
كلمة أخيرة
لقد أثبت التاريخ أن الشخصيات المؤثرة هي الأكثر تعرضاً للهجوم، وأن أصحاب المشاريع الكبرى لا يسلمون من حملات التشويه مهما بلغت نزاهة مقاصدهم.
والشيخ محمد اليعقوبي، سواء اتفق معه الإنسان أم اختلف، أصبح جزءاً من تاريخ العراق الديني والفكري المعاصر.
أما الحملات التي تستهدفه فلن تكون هي الحكم الأخير عليه.
فالأيام وحدها هي التي تكشف حقيقة الرجال، وتبقي من المواقف ما يستحق البقاء، وتطوي ما عدا ذلك في صفحات النسيان.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز


