
كتب د. هاني عاشور: التفكير بالمستقبل لا يعني إيجاد حلول للأزمات كي لا تتكرر، ولا صناعة علاقات خارجية لمصلحة مؤقتة، أو رسم صور ومشاهد للناس لكي يعيشوا الأمل إلى حين، وليس خططاً خمسية تنتهي بإنجاز مشاريع محددة، بل هو انتقالة من زمن إلى زمن، وتطور يتسابق مع الزمن، وصناعة أمل لأجيال ليكتشف المواطن فيه نفسه وإلى أين يتجه.
فالتخطيط للمستقبل، لكي يكون أفضل، يبدأ من مستوى المجتمع والدولة، وكلاهما يرسم حدوده، فالمجتمع هو صاحب النظرة الأعمق، والدولة صاحبة نظرة التنفيذ الأقدر، وليس على مستوى الفرد فقط.
وعادةً ما يبدأ بالتعليم، لأنه رهان المستقبل الأول الذي يحشد جيلاً لرسم تلك الملامح دون توقف عند زمن محدد، من خلال بناء نظام تعليمي يواكب التطور العلمي والتقني ويؤهل الأجيال القادمة لسوق العمل وفهم المتغيرات وتطورها.
ولا يتوفر التعليم المؤهل إلا باقتصاد متنوع في مصادر الدخل وعدم الاعتماد على قطاع واحد فقط، مع دعم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، ولا تتطور هذه المجالات وتنشئ المستقبل إلا بتطوير البنى التحتية، مثل تطوير الطرق والنقل والكهرباء والمياه والاتصالات وغيرها، إضافة إلى تطبيق أنظمة الحوكمة للمؤسسات، وتعزيز الشفافية وسيادة القانون وكفاءة المؤسسات العامة، ومحاربة الفساد الذي يحطم أية خطوة لصناعة مستقبل، إضافة إلى استثمار البيئة والموارد الطبيعية من خلال إدارة الموارد بشكل مستدام وحماية البيئة للأجيال القادمة.
ويتطلب ذلك مساراً طويلاً، لذلك يجب الارتكاز على الشباب وتوفير فرص العمل والمشاركة في صنع القرار والاستفادة من طاقاتهم وإبداعاتهم، إن دولاً كثيرة استطاعت أن ترسم مستقبلها خلال عشرات السنين من الجهد، وقبلها لم تكن مرشحة للتطور وصناعة المستقبل حتى على مستوى التمني أو مستوى الحلم، مثل سنغافورة وماليزيا ودول كثيرة أخرى.
وتبدأ رحلة المستقبل عادة من الإجابة عن أسئلة عميقة، منها: أين نحن اليوم؟ ما أبرز التحديات التي تواجهنا؟ أين نريد أن نكون بعد 10 أو 20 سنة؟ وما الخطوات الواقعية التي تنقلنا من الوضع الحالي إلى الهدف المستقبلي؟ والتفكير بمستقبل جديد واعد للعراق يفرض علينا أن ندرك التحديات، وأن نفكر في تجاوزها، ابتداءً من إدراك الموقع الجغرافي لبلدنا وما يضيفه لرسم خطوات المستقبل، حيث يقع العراق في موقع يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران، مما يجعله مؤهلاً ليكون مركزاً مهماً للتجارة والنقل الإقليمي، واستثمار ما يمتلكه العراق من موارد نفطية وغازية وثروات معدنية ضخمة يمكن أن توفر التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية والتعليم والصحة والزراعة، إذا أُديرت بكفاءة عالية وبحس وطني خالص، مع تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد الكبير على النفط، مما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية ويقلص فرص المستقبل، فالنفط ثروة قابلة للنضوب مع تقدم الزمن، ما يدفع إلى الاهتمام بالقطاعات الأخرى لتحقيق نمو أكبر يرسم ملامح مستقبل يمتد لأكثر من خمسين عاماً.
فإدارة الموارد المائية بحسن تدبير تعد من أكبر التحديات بسبب التغير المناخي وزيادة الطلب على المياه، مع احتمالات التقلبات المناخية في العقود المقبلة، وهو ما تحذر منه منظمات المناخ الدولية.
وتشير دراسات علمية عن العراق إلى أهمية تنويع الاقتصاد وتطوير البنية التحتية وإدارة المياه بكفاءة وتعزيز الاستقرار الأمني والمؤسسات الفاعلة، وبهذا يكون العراق قد تحول إلى اقتصاد إقليمي قوي يتمتع بقطاعات واسعة أكثر نشاطاً وفرص عمل أكبر ومستوى معيشة أفضل، فالعراق يمتلك مقومات كبيرة، لكن الاستفادة منها تعتمد على القرارات والاستثمارات التي تحدد ملامح مستقبله.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



