الإرهاق الاجتماعي

كتبت وفاء الفتلاوي: في العراق لم تعد الأزمات تقابل بنفس مستوى الدهشة أو ردود الفعل التي كانت ترافقها في سنوات سابقة، فارتفاع الأسعار لم يعد حدثاً طارئاً، وأزمة الكهرباء في فصل الصيف باتت مشهداً متكرراً، فيما أصبحت بعض الملفات السياسية مثل إدارة وزارات بالوكالة أو تأخر استكمال التشكيلات الحكومية جزءاً من المشهد العام، الذي يتكرر بصيغ مختلفة دون تغيير جذري في النتائج.
هذا التحول لا يعني أن المواطن العراقي لم يعد مهتماً بما يجري حوله، بل يعكس حالة تراكم طويل من الأزمات التي جعلت التفاعل معها أقل حدة وأكثر ميلاً للتعامل الواقعي اليومي، فالمواطن الذي يقضي يومه بين انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة والغبار المتكرر وتذبذب الأسعار، بات يركز على كيفية إدارة حياته أكثر من انتظار حلول سريعة أو مفاجآت إيجابية من المنظومة العامة.
ففي أزمة الكهرباء مثال واضح على هذا التكرار، ففي كل صيف تقريباً يعود الحديث عن فجوة كبيرة بين الإنتاج والطلب وعن حاجة البلاد إلى كميات ضخمة من الطاقة تفوق القدرات الحالية بكثير، فيما تبقى الحلول مؤجلة أو جزئية، ومع استمرار هذا النمط لم يعد المواطن ينتظر جديداً بقدر ما يحاول التكيف مع ساعات التجهيز وتقلبها.
والأمر لا يختلف كثيراً في الجانب الاقتصادي حيث تؤدي تقلبات السوق وارتفاع الأسعار إلى ضغط مباشر على الفئات المتوسطة والفقيرة في ظل محدودية السياسات الداعمة أو الاستقرار طويل الأمد في الأسعار، ومع كل موجة غلاء يتكرر المشهد نفسه من القلق ثم التكيف ثم الانتظار لمرحلة جديدة من الضغط.
على الصعيد السياسي ينعكس التعثر في استكمال بعض الحقائب في الكابينة الحكومية الجديدة أو استمرار العمل بالوكالة في عدد من الوزارات على صورة أوسع من عدم الاستقرار الإداري، ما يجعل المواطن يشعر بأن دورة التأخير والتأجيل أصبحت جزءاً من الإيقاع الطبيعي للعمل الحكومي وليس استثناء منه.
وهذه التراكمات مجتمعة أنتجت حالة مختلفة في المزاج العام، فالعراقي اليوم لا يتعامل مع الأزمة كحدث منفصل بل كجزء من سلسلة طويلة من التحديات المتشابهة، لذلك لا تكون ردة الفعل مرتبطة بحجم الحدث فقط، بل بتكراره واستمراريته وهو ما يفسر انخفاض عنصر المفاجأة تدريجياً.
لكن في المقابل هذا لا يعني القبول أو الرضا بقدر ما يعكس نوعاً من الإرهاق الاجتماعي، الذي يدفع نحو تقليل ردود الفعل الحادة والتركيز على الحلول الفردية اليومية، فحين تتكرر الأزمات يصبح التكيف وسيلة للبقاء لا موقفاً اختيارياً.
في المحصلة يمكن القول إن غياب الاستغراب ليس حالة بلادة أو تجاهل، بل نتيجة طبيعية لمشهد عام يتكرر بإيقاع ثابت تقريباً، ومع استمرار هذا الإيقاع دون تغييرات جوهرية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن كسر هذه الدائرة، أم أن التكرار سيبقى هو اللغة الأكثر ثباتاً في حياة العراقي اليومية؟.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



