مقالات
أخر الأخبار

مواقع سياحيّة مهملة

كتب عبد الزهرة محمد الهنداوي: كان السائح الأجنبي يحدّق طويلاً في زرقة تلك المياه الداكنة، ثم ينتقل ببصره إلى الشاطئ الذي تحوّل إلى معرض مفتوح للنفايات ومخلّفات السائحين، لوحة فنية متكاملة من الفوضى، لا يمكن لأي زائر أن يخطئ قراءتها.

 

تكسّرت الأمواج الصغيرة عند الشاطئ المتهالك، وكأنها تحاول عبثاً تنظيف ما عجزت عنه الجهات المعنية منذ سنوات، أما السائح، فراح يتمتم لصديقه العراقي الذي جاء به إلى المكان، قائلاً، “لو كان هذا الجمال عندنا لجعلنا منه معلماً سياحياً عالمياً”.

هززتُ رأسي في قلبي كي لا ألفت انتباهه وتركته متشاغلاً مع أصدقائي نتابع عملية الشوي لـ “السمك المسگوف” الذي جلبناه معنا من مركز المدينة التي تبعد زهاء 20 كم.

أتحدث هنا عن بحيرة الرزازة، التي زرتها قبل أيام في يومٍ مشمس دافئ، بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثين عاماً، كنت أتوقع أن أجدها وقد تحولت إلى وجهة سياحية مناسبة، لكن المفاجأة كانت أكبر من التوقعات، إذ لم نجد شيئاً على الإطلاق، لا مرافق صحية، ولا خدمات، ولا تنظيم، (تجربة سياحية متكاملة في الاعتماد على النفس)!.

حتى الطريق المؤدي إلى البحيرة، الممتد لنحو كيلومترين، كان تجربة استثنائية بحد ذاته؛ طريق غير معبّد يمنح الزائر شعور المغامرة منذ اللحظة الأولى، ويختبر صلابة مركبته و”دبلات” سيارته.

واللافت للنظر، أن أعداداً غير قليلة من الأسر والسائحين تتوافد إلى المكان رغم كل ذلك، وكأن البحيرة تقدم درساً عملياً في الصبر والتحمّل، أو ربما في التعايش مع غياب أبسط مقومات السياحة!.

وإذا علمنا أن هذه البحيرة تمتد على مساحة تزيد على (1800) كيلومتر مربع، وتربط بين محافظتي كربلاء والأنبار، وتضم مياهاً غنية بالأملاح وعيوناً دافئة، ندرك حجم الخسارة الاقتصادية الناتجة عن ترك هذا المورد الهائل مهملاً، من دون استثمار يُذكر أو رؤية تنموية واضحة.

وبطبيعة الحال، لا يقتصر هذا المشهد على بحيرة الرزازة وحدها، فلدينا مواقع أخرى لا تحظى بالرعاية والاهتمام، مثل هور الدلمج وأهوار الجنوب، فضلاً عن عمودي نهري دجلة والفرات، حيث الإهمال يتسيد المشهد!.

المؤلم أننا نمتلك كل هذه الثروات الطبيعية التي حبا الله بها أرضنا، وما زلنا نشكو ضيق ذات اليد!!، فمعلم مثل بحيرة الرزازة يفيض بالجمال والإمكانات الاقتصادية، ومع ذلك يُترك على حاله، تلك مفارقة موجعة.

وهنا لا نطالب بالكثير في هذه المرحلة، فوجود دورات مياه، وبعض الأكشاك، التي تقدم أبسط الخدمات للسائحين، قد يكون خطوة أولى قبل التفكير بمشاريع استثمارية كبرى، من فنادق ومطاعم ومتنزهات ومرافق ترفيهية.

إنه حلم بسيط، أيقظه في داخلي ذلك السائح الأجنبي، الذي بدا حائراً، وهو يبحث عن مكان آمنٍ يقضي فيه حاجته، ولم يكن وحده في ذلك، فالكثيرون أصابهم الغم بسبب تلك الحاجة اللعينة، ما أجبر البعض على المغادرة.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى