
كتبت نرمين المفتي: لا نقيس البنى التحتية عادة إلا بما نراه، طرق، جسور، محطات كهرباء، شبكات مياه، وأبراج اتصال وغيرها، أي كل ما يمكن تصويره، افتتاحه بشريط أحمر، أو إدراجه في تقرير رسمي.
لكن ما يغيب عن هذا التصنيف هو أخطر العناصر: الزمن، فبين الإسفلت والإسمنت، يعمل الوقت كبنية تحتية صامتة، وحين يتم إهماله، لا ينهار مشروع واحد فقط، بل يتشقق إيقاع الحياة نفسها، ويتحول التعطل من حالة عابرة إلى نمط مستقر.
الوقت ليس إطاراً محايداً، بل شرط لعمل كل نظام، لا تعمل الكهرباء بلا تزامن، ولا ينجح نظام صحي بلا زمن استجابة، ولا يقوم نقل عام بلا جداول دقيقة، ولا تعليم بلا إيقاع زمني يحترم طاقة المتعلم، حين نفصل الزمن عن البنية التحتية، نختزل الفشل في “سوء إدارة”، بينما الحقيقة أن ما يهدر هو مورد غير قابل للتعويض وهو أعمار الناس.
في المجتمعات التي يهمل فيها الزمن، يتحول الانتظار إلى نمط حياة، انتظار المعاملة، التيار، القرار، والفرج، لا يظهر هذا الانتظار في الموازنات ولا في تقارير الإنجاز، لكنه يستنزف الأفراد يومياً، ساعة واحدة قد تبدو (لا شيء) لصانع القرار، لكنها تتراكم لتصبح سنوات مهدورة، وهنا لا يعود الوقت مسألة تقنية، بل قضية عدالة تمس توزيع الفرص نفسها.
الاعتراف بالوقت كبنية تحتية يفضح الكثير، فالازدحام ليس قدراً بل فشل في تنظيم الزمن، والتأخير ليس عرضاً بل نمطاً متكرراً، حين لا تحترم أوقات الناس، يعاد إنتاج اللامساواة، فيشتري البعض وقتاً أسرع عبر المال أو النفوذ، بينما يدفع الآخرون من أعمارهم، هكذا يتحول الزمن إلى امتياز طبقي غير معلن.
المفارقة أن الخطاب الرسمي يتحدث عن “تسريع الإنجاز”، وكأن الحل في الضغط لا في التنظيم، بينما الحقيقة أن السرعة بلا نظام زمني عادل تؤدي إلى استنزاف البشر وتعطيل الأنظمة، البنية الزمنية تعني الانضباط والتزامن والاحترام، لا مجرد التسريع، وتعني أيضاً وضوح المواعيد والالتزام بها كمبدأ لا كاستثناء.
وثمة بعد أعمق لإهمال الزمن، يتصل بالذاكرة والعلاقة مع المستقبل، فحين يعيش المجتمع في فوضى زمنية، يفقد القدرة على التخطيط الطويل الأمد، يصبح الغد امتداداً مرتبكاً لليوم، وتتحول المشاريع إلى ردود أفعال مؤقتة تطلق قبل نضوجها وتهمل قبل اكتمالها، وينتج ذلك وعياً قلقاً غير مستقر.
كما أن الفوضى الزمنية تضعف الثقة، وهي بنية لا تقل أهمية، حين لا يثق المواطن بالموعد أو بزمن الإنجاز، يتعلم التكيف بدل المشاركة، ويتحول إلى من يتحايل على النظام بدل أن يعتمد عليه، وهكذا يصبح الزمن المهدر شرخاً متراكماً في العلاقة بين الفرد والمؤسسة، لا يرى مباشرة لكنه يلمس في كل تفصيل يومي.
في الدول التي نجحت، لم يكن السر في الموارد فقط، بل في إدارة الزمن كقيمة عامة، التأخير هناك يعد فشلاً مؤسسياً، لا عبئاً على المواطن، ويحاسب عليه كما يحاسب على أي خلل في الخدمة.
إهمال الزمن ليس مجرد خطأ تخطيطي، بل تعبير عن نظرة للإنسان ككائن يمكن تأجيله واستنزافه، أما الاعتراف به، فهو اعتراف بأن حياة الناس هي جوهر أي مشروع، وأن كرامتهم تبدأ من احترام وقتهم.
ربما آن الأوان، بعد 23 سنة من التغيير، لطرح سؤال مختلف وهو ليس كم كلف المشروع، بل كم من أعمار الناس استهلك قبل أن يعمل، وكم سيوفر إن عمل كما يجب؟.
وإذا كان الزمن قد غاب عن تعريفنا للبنية التحتية، فإن الأخطر أنه غاب عن إرادة الحكومات نفسها التي لم تتعامل معه كمورد سيادي يجب حمايته، بل كشيء مباح للهدر بلا مساءلة، تأخرت المشاريع وتعطلت القرارات، وتكرست ثقافة لا ترى في التأجيل خسارة، بل ممارسة اعتيادية، وهكذا لم تهمل البنية المادية فقط، بل ترك الزمن نفسه يتآكل، حتى صار إهداره سمة عامة لا استثناء.
في بلد يملك كل هذه الإمكانات، ربما كان أكبر إخفاق ليس في ما تأخر بناؤه، بل في ما ضاع من أعمار كان يمكن أن تعيش على نحو أفضل، لو تمت إدارة الزمن.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز


