Uncategorized
أخر الأخبار

هدنةٌ بلا مظلة وحربٌ بلا حدود

كتب ناجي الغزي.. لم يكن إعلان دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين مجرد تطور سياسي عابر، بل لحظة مفصلية أوحت بأن المنطقة تقف على أعتاب انتقال من حافة الانفجار إلى مسار تفاوضي منضبط.

غير أن هذه اللحظة، التي بدت للكثيرين بداية لانفراج محتمل، سرعان ما تحولت إلى نموذج صارخ لكيفية تفكيك التهدئة من داخلها، وإعادة توظيفها كأداة لإعادة توزيع القوة، لا لإيقاف الحرب.

في جوهر الطرح الأمريكي، برزت ما سُمّيت بـ”النقاط العشر الإيرانية”، والتي قُدمت بوصفها أساساً لبناء عملية تفاوضية شاملة. هذه النقاط، وفق ما تسرب، لم تكن تقتصر على الملف النووي، بل امتدت لتشمل تهدئة إقليمية واسعة، تقوم على مبدأ وقف التصعيد في جميع الجبهات، بما فيها الساحات المرتبطة بحلفاء طهران، في لبنان والعراق واليمن. بهذا المعنى، لم تكن المبادرة مجرد وقف مؤقت للنار، بل محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك في الإقليم.

لكن هذا الإطار لم يصمد أمام اختبار الإرادة السياسية الفعلية، خصوصاً مع دخول بنيامين نتنياهو على خط التفاوض. فالاتصال الذي جرى بينه وبين ترامب لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل نقطة انعطاف أعادت صياغة الاتفاق نفسه. إذ تم إخراج لبنان من معادلة التهدئة، في خطوة كشفت أن ما يُعلن سياسياً يمكن إعادة تعريفه ميدانياً وفق ميزان القوة، لا وفق منطق الاتفاقات.

هذا التحول يعكس نمطاً متكرراً في السلوك الأمريكي: إعلان مبادئ عامة للتهدئة، ثم إعادة ضبطها تحت ضغط الحلفاء، بما يفرغها من مضمونها الشامل. تصريح ترامب لاحقاً بأن “لبنان لم يكن ضمن الصفقة” لم يكن مجرد توضيح، بل إعادة إنتاج للرواية بما يتناسب مع الترتيبات الجديدة، رغم أن المؤشرات الأولية، بما فيها الموقف الإيراني كانت تشير إلى شمول لبنان في إطار التهدئة.

في المقابل، تحركت إسرائيل بسرعة لاستثمار هذا التحول. العملية العسكرية التي أطلقتها تحت مسمى (الظلام الأبدي) لم تكن مجرد رد فعل، بل خطوة محسوبة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت معادلة إسرائيلية مفادها: حرية الحركة العسكرية الكاملة، حتى في ظل وجود اتفاقات تهدئة.

الضربات التي استهدفت بيروت والبقاع والجنوب، وبكثافة غير مسبوقة، لم تقتصر على أهداف عسكرية، بل طالت بنية مدنية مكتظة، في رسالة واضحة بأن حدود الاشتباك قابلة للتوسع دون قيود.

هذا التصعيد وضع لبنان في قلب المأزق، ليس فقط كجبهة قتال، بل كساحة اختبار لمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض أي شكل من أشكال الردع. ومع تزايد أعداد الضحايا لأكثر من 254 شهيداً و1165 من الجرحى، وبلوغ الضغط على القطاع الصحي مستويات غير مسبوقة، بدا أن الدولة اللبنانية تواجه معركة تتجاوز قدراتها، في ظل غياب توازن حقيقي في القوة.

أما إيران، فوجدت نفسها أمام معضلة استراتيجية مركبة. فالقبول بتهدئة جزئية يعني عملياً القبول بتفكيك وحدة الجبهات، وترك حلفائها عرضة للاستهداف.

في المقابل، فإن الرد على التصعيد الإسرائيلي قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق بالكامل، وإعادة المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.

التصريحات الصادرة عن عباس عراقجي تعكس هذا التوتر، إذ تؤكد أن استهداف لبنان يُعد خرقاً للاتفاق، ما يضع طهران أمام خيار صعب بين الحفاظ على المسار التفاوضي أو استعادة معادلة الردع.

وفي خلفية الاحداث، تبرز مؤشرات إضافية على تعقيد المشهد، من بينها الحديث عن اضطرابات في الملاحة بمضيق هرمز، وتسريبات حول أدوار إقليمية محتملة في استهداف منشآت داخل إيران. هذه المعطيات، حتى مع عدم تأكدها بالكامل، تكشف أن الصراع لم يعد محصوراً بين أطرافه التقليديين، بل بات مفتوحاً على تدخلات متعددة، قد تعيد تشكيله بشكل أكثر خطورة.

الأهم من ذلك، أن ما جرى يعكس خللاً بنيوياً في نمط إدارة الأزمات الدولية. فبدلاً من أن تكون التهدئة مدخلاً لتثبيت الاستقرار، تتحول إلى أداة تكتيكية ضمن لعبة ضغط متبادلة. التصعيد اللفظي الحاد، الذي يصل إلى حد التهديد بإبادة حضارية، يعقبه تراجع مفاجئ نحو التفاوض، ثم خرق ميداني يعيد التصعيد إلى الواجهة. هذا النمط لا ينتج استقراراً، بل يراكم هشاشة النظام الإقليمي، ويقوض الثقة في أي مسار تفاوضي.

هذا السلوك الأمريكي المتمثل بالرئيس ترامب لم يمر دون كوابح داخلية، فقد ترك سجالاً داخلياً في واشنطن.

لقد سمح الاتفاق المؤقت مع إيران (بوساطة باكستانية) خلق “فراغاً قتالياً” يسمح للكونجرس بالتدخل في زمن الحرب. الديمقراطيون يريدون رسم صورة أن ترامب “رئيس متهور عسكرياً” تمهيداً لمعركة داخلية أكبر.

ولكن السؤال المهم: هل يستطيع الكونجرس فعلاً تقييد الرئيس؟ نعم، ممكن في ظل الأطر القانونية، هناك ما يسمى بـ “ قانون صلاحيات الحرب 1973” والذي يتضمن ابلاغ الكونجرس خلال 48 ساعة من أي عمل عسكري، وعدم الاستمرار أكثر من 60 يوماً دون تفويض.

ولكن المشكلة أن بعض الرؤساء الامريكيين من الحزبين تحايلوا دائماً على هذا القانون، بحجة يمكن للرئيس استخدام “حماية الامن القومي” أو تنفيذ “عمليات محدودة” لتجاوز القيود، والمشكلة حتى لو مرر الديمقراطيين هذا القانون يمكن لـ ترامب استخدام الفيتو، في المقابل يحتاج الكونجرس إلى اغلبية ساحقة (ثلثين) لكسره وهو أمر نادر.

في المقابل، يبقى العامل العربي الأكثر غياباً في هذه المعادلة. فبينما تتعرض دولة عربية لقصف واسع النطاق، وهي ما جعلت نفسها داخل هذا المأزق، دون أي حسابات استراتيجية لتداعيات الحرب، التي تساهم في رسم موازين القوة في الإقليم. وكما يبدو أن الموقف العربي العام لا يزال في موقع المتلقي، لا الفاعل.

وهذا يطرح سؤالاً استراتيجياً يتجاوز اللحظة الراهنة: هل تمتلك الدول العربية رؤية موحدة للأمن الإقليمي، أم أنها لا تزال أسيرة حسابات متباينة تعيق أي تحرك جماعي؟ وهل ستبقى تحت المظلة الامريكية التي مزقتها الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الإيرانية؟ أم تبحث لها عن حليف موثوق؟.

في المحصلة، ما جرى لا يمكن وصفه بانهيار اتفاق بقدر ما هو كشف لطبيعته الهشة منذ البداية. فالهدنة التي لا تشمل جميع الجبهات، ولا تستند إلى التزامات واضحة من قبل الجانب الامريكي، إذ تتحول بالضرورة إلى أداة لإعادة تموضع القوى، لا إلى مدخل لإنهاء الحرب.

وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو التهدئة بقدر ما تنزلق نحو مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تختلط التهدئة بالاختراقات والتصعيد، وتتحول الاتفاقات إلى جزء من ديناميكيات الصراع، وربما تصبح الحرب نفسها أداة تفاوض… لا نهايته.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى