مع الحق حيث كان… قراءة في الصراع بين مشروع الهيمنة ومشروع الأمة

كتب سماحة السيد رسول الياسري: مع الحق حيث كان… قراءة في الصراع بين مشروع الهيمنة ومشروع الأمة
قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
أيها الأخوة الأحبة الكرام، إن خطابي اليوم موجه إلى كل من استغرب موقفنا، أو تنكر لنا بسبب تفاعلنا مع إخواننا في ساحات المواجهة، وإلى كل من حاول أن يصور هذا الموقف على أنه انحياز سياسي ضيق، أو اصطفاف عاطفي عابر.
أيها الأخوة الكرام، إن التفاعل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية – التي نسأل الله أن ينصرها بحوله وقوته وببركات صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) – والقضية الفلسطينية واللبنانية واليمنية، فضلاً عن رفضنا القاطع لتعدي المستعمرين على أبناء شعبنا بكل طوائفهم، وهذا ليس موقفاً عاطفياً مؤقتاً، ولا اصطفافاً سياسياً محدود الأفق، بل هو موقف نابع من قراءة واعية لحقيقة الصراع الدائر في منطقتنا، ولطبيعة المشروع الذي يهدد حاضر الأمة ومستقبلها.
وأما بخصوص الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فأقول إن إيران اليوم تقف – بما تملك من إمكانات – في خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة الإسلامية، وعن كثير من بلدان المنطقة التي طالها المشروع الصهيوني التوسعي، ذلك المشروع الذي لا يخفي طموحه في رسم خارطة ما يسمى بـ(إسرائيل الكبرى)، الممتدة – بحسب الأدبيات الصهيونية – من النيل إلى الفرات.
وإن المجرمين الذين يتزعمون هذا المشروع، من أمثال قادة الكيان الصهيوني _خصوصاً الوجه المتصدر له النتن ياهو _ ومن يقف خلفهم من ساسة الغطرسة العالمية من الغرب بقيادة المعتوه ترامب، قد فضحتهم جرائمهم وفسادهم على جميع المستويات، وكشفت دماء الأبرياء التي أريقت في بقاع الأرض.
إن حقيقة هذا المشروع يقوم على الاحتلال والهيمنة والتوسع غير المبرر والمخالف للأعراف كافة، وليعلموا أن الله تعالى ليس بتاركهم وهو القائل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: 42).
ومن هنا ينبغي أن تقال الحقيقة بوضوح بعيداً عن التضليل والتشويش، فإن إيران نفسها لا تقع ضمن تلك الخارطة المزعومة المسماة (إسرائيل الكبرى)، لأن المشروع الصهيوني يركز في جوهره على قلب المنطقة العربية ولا يشمل إيران، ومع ذلك فقد اختارت أن تكون في موقع المواجهة، لا في موقع المتفرج أو المساوم.
ومن هنا تبدأ بعض الأصوات بإثارة الشبهات، فتدعي أن هذه المواجهة ليست إلا صراعاً مذهبياً أو مشروعاً لنشر التشيع.
غير أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح هو: أي تشيع يستهدف؟
هل يستهدف التشيع الذي تماهى يوماً مع الاستعمار، كما كان الحال في زمن الشاه المقبور ومن سار في ركابه؟
أم يستهدف التشيع العلوي الأصيل، التشيع الذي تربى في مدرسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وترعرع في ظلال كربلاء؟
إن الذي يخيفهم حقاً هو التشيع الحسيني، التشيع الذي غذته كربلاء بدماء الثورة، وربته على رفض الذلة، وألهمته روح العزة والإباء.
التشيع الحقيقي لا يعرف الخضوع للباطل، ولا يقبل المساومة على الكرامة، ولا يرضى أن يعيش تحت ظل الظالمين.
وهو التشيع الذي يبتني في عمقه العقائدي على الإيمان بوعد الله، وعلى عقيدة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، تلك العقيدة التي تقلق الطغاة لأنها تبشر بزوال عروشهم، وتعلن نهاية فسادهم، وتعد المستضعفين بأن العدل الإلهي آت لا محالة.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
أيها الأخوة الكرام، إن الصراع في حقيقته هو بين مشروع الهيمنة ومشروع الأمة، وأن الأعداء يريدون أن تختلط المفاهيم فيصورون الصراع في منطقتنا على أنه نزاع قومي ضيق، أو منافسة نفوذ بين دولتين.
بل هي مواجهة بين مشروعين كبيرين: مشروع الهيمنة والاستكبار والاحتلال.
ومشروع الاستقلال والكرامة ورفض الظلم.
وهذه المعادلة ليست خطاباً سياسياً، بل لها جذورها في الرؤية القرآنية لطبيعة الصراع في التاريخ.
القرآن يحدد طبيعة الصراع بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).
فالآية لا تتحدث عن شعب بحد ذاته، وإنما تشير إلى منهج الهيمنة الذي لا يقبل بوجود أمة مستقلة في عقيدتها وقرارها وهويتها.
أيها الأفاضل، من الوهم أن يقال إن الصراع محصور بين دولتين.
أما الحقيقة فهي أن المنطقة كلها تعيش تداعيات الصراع ومنذ عقود إن لم نقل منذ الأزل ويتمثل بصور عدة: احتلال مستمر، وحصار طويل، ومحاولات تطبيع تفرغ القضية من مضمونها، وضغوط سياسية واقتصادية كبيرة لإعادة تشكيل هوية المنطقة.
نسأل الله تعالى أن يثبت الأمة على وعيها، وأن يجنبها الفتن، وأن يجعل مواقفنا جميعاً خاضعة لميزان الحق، لا لميزان العصبية، وأن ينصر المستضعفين في الأرض، ويكتب لهذه الأمة عزها كرامتها ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



