مقالات
أخر الأخبار

لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض 

كتب نهاد الزركاني.. في الآونة الأخيرة، بدأ تداول نبوءات قديمة [كسفر إرميا ] داخل بعض الأوساط المثقفة، لا بوصفها مادة للتأمل النقدي، بل كأنها مفاتيح جاهزة لفهم حروب الحاضر، أو تبريرٍ مبطَّن لما قد يقع. وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة: حين يتراجع التحليل السياسي، يُستدعى النص الديني ليملأ الفراغ، لا للفهم، بل للتسويغ.

لم تُكتب النبوءات لتكون خرائط عسكرية، ولا صيغت النصوص المقدسة لتشرح مسارات الصواريخ. كانت ابنة زمانها، تخاطب أقوامًا اندثروا، وصراعات طواها التاريخ. أما نقلها قسرًا إلى واقع تحكمه الدولة الحديثة، والتقنية، والاقتصاد، فهو قفزٌ فوق الزمن، لا قراءةٌ له.

الحروب اليوم لا تُدار بالغيب، بل بالذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والعقوبات الاقتصادية، والتحكم بالرواية. ومع ذلك، حين تعجز السياسة عن تقديم مبرر أخلاقي مقنع، تبحث عن غطاء أعلى من المساءلة، فتجده في النبوءة. هكذا يتحول النص من خطاب إيماني إلى أداة تعبئة، ومن تحذير أخلاقي إلى قناعٍ للحرب.

وهذا لا يقتصر على سياق دون آخر، فقد شهدنا في العقود الأخيرة كيف يتم توظيف رموز ونبوءات من تراثات دينية مختلفة ((مسيحية، يهودية، إسلامية)) في خطابات سياسية تهدف إلى تعبئة الأتباع، أو تبرير التدخلات العسكرية، أو احتكار الشرعية الأخلاقية، متجاوزة بذلك كل التحولات الجذرية في طبيعة الدولة والمجتمع…….

يُستدعى ((المقدس)) هنا لا بوصفه ضميرًا ناقدًا للسلطة، بل كذخيرة رمزية تُستخدم عند الحاجة، ثم تُهمَل حين تنتهي وظيفتها.

أما العراق، فلم يكن يومًا تحقيقًا لنبوءة، بل كان ( ولا يزال ) ضحية جغرافيا وثروة ودولة أُنهكت من الداخل قبل أن تُستباح من الخارج. لم تبدأ مآسيه من نصٍ ديني، بل من حسابات قوة، وتوازنات إقليمية، وقرارات سياسية باردة. غير أن النصوص غالبًا ما تُستدعى بعد الخراب، لا لمنع الكارثة، بل لتبريرها أو إضفاء معنى قَدَريّ عليها.

ولا نقصد هنا إلغاء البعد الرمزي أو الأخلاقي الذي تحمله النبوءات، فله حضوره في تشكيل الوعي الجمعي ومنظومات القيم. لكن الخطر كل الخطر يكمن في اختزال هذا البعد المعقد إلى “دليل تشغيل” للصراع، وفي تحويل الخطاب الإيماني الذي ينطلق من التسامي والغفران إلى خطاب حربي ينطلق من الإقصاء والاقتتال.

عند هذه النقطة، لا يعود النص مصدر هداية، بل يتحول إلى أداة فرز وعداء.

المسؤولية هنا تقع على عاتق المثقف قبل غيره: أن يعيد النص إلى سياقه، والحرب إلى أسبابها، وأن يرفض تحويل الغيب إلى ذريعة، أو التأويل إلى سلاح. فالمشكلة ليست في النبوءة ذاتها، بل في عقلٍ حديث يملك أعقد أدوات القتل، ويبحث عن أقدم الذرائع لتبريرها.

ويبقى السؤال مفتوحًا، لا في النصوص، بل في ضمير من يقرأها:

هل نلجأ إلى النبوءة لفهم الإنسان،

أم نسيء إليها كي نبرر دمه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى