مقالات
أخر الأخبار

شدّ الأحزمة.. مرة أخرى

كتب سيف الحمداني: في كل مرحلة اقتصادية حرجة، يتكرر المشهد ذاته تقريباً، وتعود لغة التقشف إلى الواجهة، وكأن الذاكرة العامة أُنهكت من كثرة الأزمات، تُطرح الدعوات إلى تحمّل الأعباء وتقليص الإنفاق باعتبارها حلولاً اضطرارية، فيما يجد المواطن نفسه مرة أخرى في مقدمة من تُطالهم تداعيات هذه السياسات، متحملاً عبئاً يفوق قدرته في كثير من الأحيان.

 

لا يمكن إنكار أن الدولة تواجه تحديات مالية حقيقية، بعضها مرتبط بتقلبات الأسواق العالمية، وبعضها الآخر ناتج عن التزامات متراكمة واتساع أبواب الصرف، غير أن الإشكالية لا تكمن في توصيف الأزمة، بل في أسلوب إدارتها، فعندما تُدار الضغوط المالية بمنطق المعالجات السريعة، غالباً ما يكون الخيار الأسهل هو تقليص ما يصل إلى المواطن مباشرة، عبر الرسوم والضرائب ورفع كلفة بعض الخدمات، من دون أن يقابل ذلك إصلاح مؤسسي يعالج جذور الخلل.

المواطن العراقي لا يتخذ موقفاً سلبياً مسبقاً من أي مسار إصلاحي، بل يدرك أهمية الحفاظ على الاستقرار المالي وضمان استدامة موارد الدولة، لكنه في المقابل، يتطلع إلى عدالة في توزيع الأعباء، وإلى وضوح في الرؤية الاقتصادية التي تُبنى عليها القرارات، فالتقشف غير المتوازن، الذي لا يراعي الفوارق الاجتماعية، يتحول من أداة إصلاح إلى عامل ضغط اجتماعي يرهق الشرائح الأضعف.

وتتعاظم الإشكالية حين يشعر المواطن أن الدعوات إلى التضحية لا تشمل الجميع بالقدر نفسه، فبينما يُطلب من ذوي الدخل المحدود والموظفين والكسبة تحمّل المزيد، تبقى ملفات الهدر والفساد والإنفاق غير المنتج دون حسم واضح، عندها، تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويُنظر إلى أي إجراء مالي جديد بوصفه امتداداً لمعالجات سابقة لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة.

إن أي إصلاح مالي جاد لا يمكن أن ينجح ما لم يستند إلى الشفافية والمساءلة، فقبل اللجوء إلى رفع الرسوم أو تقليص الدعم، يصبح من الضروري مراجعة أولويات الإنفاق، وتعزيز الرقابة على المشاريع والعقود، وضمان توجيه الموارد نحو ما يخدم التنمية الحقيقية، فاسترداد المال العام وضبط الإدارة المالية يشكلان المدخل الطبيعي لتخفيف الضغط عن المواطن، لا العكس.

كما أن الخطاب الحكومي في هذه المراحل الحساسة يحتاج إلى قدر أعلى من الوضوح والصراحة، يشرح للمواطن طبيعة التحديات وأسباب القرارات والنتائج المتوقعة منها، فالشراكة في الفهم تُخفف من وقع الإجراءات، وتُشعر المواطن بأنه جزء من الحل لا مجرد متلقٍ للتبعات.

في المحصلة، تبقى سياسات التقشف اختباراً حقيقياً لعدالة الإدارة العامة، فحين تُوزع الأعباء بإنصاف، وتُربط التضحيات بإصلاحات ملموسة، يمكن للمواطن أن يتعامل معها بروح المسؤولية، أما حين تتكرر الإجراءات ذاتها دون تغيير في النهج أو النتائج، فإنها تتحول إلى عبء نفسي واقتصادي يفاقم الإحساس بالإرهاق العام، ويؤجل الحلول بدل أن يقرّبها.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى