
گتب السيد رسول الياسري.. خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى [الحلقة الثامنة (أ) ]
السكينة الأسرية… حين يكون البيت مصدر رسالة لا مجرد مأوى
أيها الإخوة الكرام، إن من أعظم التحولات التي نبهت إليها المرجعية الدينية الرشيدة، وأكد عليها خطابها المبارك، أن إصلاح المجتمع لا يبدأ من مؤسسات الدولة فحسب، بل ينطلق من اللبنة الأولى في البناء الإنساني، ألا وهي الأسرة؛ تلك النواة التي إن صلحت صلح المجتمع، وإن فسدت تهاوى بنيانه مهما امتلك من مظاهر القوة
وهنا ينبغي أن تتلقف جميع المؤسسات المرجعية هذا النداء بعناية، خصوصا المؤسسات التي لها صلة مباشرة، كالبيت السعيد، ومؤسسة فيض الزهراء عليها السلام، وملتقى العلم والدين، وهذا لا يعفي بقية المؤسسات الأخرى من المساهمة الفاعلة، خصوصا الحوزات النسوية؛ لأن المرأة –كما يقال– مصنع العظماء
ولذا كان لا بد أن يكون النموذج الأعلى للأسرة هو أسرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، التي لم تكن مجرد بيت يؤوي الأجساد، بل كانت منبعا للسكينة، ومصدرا للهداية، ومصنعا للرسالة
يقول الله تعالى في كتابه الحكيم :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ (النحل: 80)
ويقول سبحانه وتعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21)
فالقرآن الكريم يفرق بين البيت بوصفه مكانا ماديا، وبين السكن بوصفه حالة نفسية وروحية من الطمأنينة والاستقرار
لذا أيها الأحبة ليس كل من امتلك دارا قد امتلك سكنا،
وليس كل بيت عامر بالأثاث عامرا بالسكينة،
فالسكينة ليست جدرانا، بل هي حضور القيم، وصدق العلاقة مع الله، وانسجام الأرواح على طريق الحق
لقد بلغ من عظمة آل البيت عليهم السلام أنهم لم يكونوا للنبي صلى الله عليه وآله سبب سكينة لأنهم وفروا له متاع الدنيا، بل لأنهم كانوا امتدادا نقيا للنبوة، ومعدنا للرسالة
يقول الله سبحانه وتعالى في حقهم عليهم أفضل الصلاة والسلام :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33)
فهذه الطهارة الإلهية جعلتهم مصدر طمأنينة للنبي، وسندا روحيا له في مسيرته الرسالية
فلم تكن سكينتهم للنبي بسبب مال أو ولد، بل لأنهم كانوا حملة مشروعه، وحراس رسالته، وامتداده الحقيقي في الأمة
فليس كل من كان في البيت النبوي مصدرا للسكينة،
وهذا من الدروس القرآنية المهمة، أن القرب المكاني لا يعني القرب القيمي، ولا كل من سكن بيت النبي كان على مستوى الرسالة
قال تعالى محذرا بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم :﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التحريم: 4)
فهنا يبين القرآن أن البيت الواحد قد يجتمع فيه من هو مصدر سكينة، ومن قد يكون سبب اضطراب وابتلاء
وهذا درس عظيم:أن السكن الحقيقي ليس بالانتماء الشكلي، بل بالانسجام مع خط الرسالة
وإذا أردنا أن نرى النموذج الأعلى للسكينة الزوجية الرسالية، فإننا نقف بخشوع أمام السيدة خديجة الكبرى عليها السلام
هذه المرأة العظيمة التي لا تدرك عظمتها إلا من فهم البعد الرسالي لتضحياتها
فقد كانت قبل البعثة وبعدها:
سندا للنبي صلى الله عليه وآله،
وملاذا نفسيا له،
ومصدر طمأنينة في أشد لحظات المحنة، حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وآله: (آمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس)
لكن أعظم ما قدمته لم يكن المال، بل السكينة التي احتضنت قلب النبي في بدايات الدعوة الصعبة
ويمتد هذا النور في بيت أمير المؤمنين عليه السلام مع السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، حيث تتجلى أسمى معاني السكينة الزوجية
فقد ورد عنه عليه السلام أنه قال:
(والله لقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان )
وهذه هي السكينة الحقيقية، أن يكون حضور الزوج أو الزوجة راحة للروح، وطمأنينة للقلب، ودواء للهموم
ولم يكن ذلك نتيجة ترف أو بذخ دنيوي، بل نتيجة: الإيمان العميق، والانسجام الروحي،
والاشتراك في طريق الله
إن الحياة الزوجية في المنظور القرآني والرسالي ليست مشروعا ماديا لتوفير الطعام والمسكن، وتفريغ الشهوات في موضع حلله الله تعالى فحسب –وإن كان ذلك جزءا منها– بل هي:
مشروع لبناء النفس،
وميدان لصناعة السكينة،
وبيئة لحفظ الإيمان من الفتن والانحراف
فالأسرة التي تحمل القيم:
تصنع أبناء ثابتين أمام الشبهات،
وتزرع الطمأنينة في قلوب أفرادها،
وتكون حصنا للأمة من التمزق والضياع
ولهذا كان آل البيت عليهم السلام سكينة للأمة، لأنهم زرعوا فيها:العقيدة الصحيحة، والقيم الإلهية، والوعي الرسالي



