مقالات
أخر الأخبار

خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى

كتب السيد رسول الياسري.. خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى [الحلقة الرابعة]

بين صدام الحضارات وصوت السماء… حين تُقصى الحكمة ينهار الطغيان

أيها الإخوة الكرام، نقف في هذه الحلقة عند محطة عميقة من محطات خطاب المرجعية الدينية الرشيدة، لنستكشف بوضوحٍ مؤلم حقيقةً كبرى، وهي أن كثيرًا من القيادات التي تقود الحضارات المادية اليوم قد فقدت البوصلة التي تربط الأرض بالسماء؛ فلم تعد تُصغي إلى نداء الوحي، ولا تحتكم إلى حكم العقل الرشيد، وإنما انطلقت في مسارات يغلب عليها الطغيان والتوسع وصدام الإرادات.

إن المرجعية، وهي تقرأ واقع العالم، لا تنظر إليه بعين السياسة المجردة، بل بعين القرآن؛ حيث الميزان الإلهي الذي يزن الأمم والحضارات لا بقوة سلاحها، بل بمدى اتصالها بالله تعالى وخضوعها لقيم الحق والعدل.

وقبل أن أستمر، أرجو من القارئ الكريم مراجعة الحلقات السابقة؛ كي تأخذ الكلمات موقعها في تصور وفهم المطلوب.

فمن أروع النماذج التي استحضرتها الرؤية القرآنية نموذج ملكة سبأ (بلقيس)، تلك المرأة التي جسدت عقلانية القيادة، ونضج القرار، وتفعيل المشورة، ووعي العواقب؛ بخلاف بعض القيادات المعاصرة التي تدّعي قيادة الحضارة الغربية اليوم.

يقول تعالى على لسانها:

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (النمل: 34)

فالمرأة العاقلة لم تنخدع بشهوة الحرب، ولم تنجرّ إلى صدام الحضارات، بل اختارت طريق الحكمة والحوار والتثبت، حتى قادها ذلك إلى الهداية، فقالت:

﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: 44)

وهنا يتجلى الفارق الهائل بين قيادةٍ تستمع للعقل الذي يوصل لصوت السماء فتنجو وترتقي، وقيادةٍ تصم آذانها فتسير نحو الهلاك وإن تزيّنت بقوة ظاهرية.

أيها الأحبة، إن من أبرز ما يُستفاد من خطاب المرجعية تلك الحسرة العميقة التي يحملها هذا الخطاب، لا على واقع المسلمين فحسب، بل على واقع الإنسانية جمعاء.

فالإسلام، في جوهره، ليس دين حروب ودماء، وإنما هو دين هداية وإصلاح، كما قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)

لكن الحقيقة المؤلمة أن الحروب كثيرًا ما تُفرض عليه فرضًا نتيجة طغيان الآخرين وإصرارهم على الباطل.

ومن هنا يتولد الألم الذي ذكرته المرجعية في خطابها:

ألمُ أن صوت الحكمة لا يُسمع، وأن نداء العقل يُقصى، وأن العصبيات الاستعمارية والعنصريات المتجذرة تتغلب على منطق الحق والحقيقة.

وهذه العصبيات، مهما بلغت من قوة، فإن مآلها إلى الخسران، كما وعد الله تعالى:

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: 43)

ولنا في قصة سبأ عبرة صارخة، حيث تحولت النعمة إلى نقمة بسبب الكفران والطغيان، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ…﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ: 15-17)

تأملوا التعبير القرآني: الكفور ليس مجرد كفر عادي، بل هو كفران عظيم بالنعم، واستخفاف بها، واستعلاء على واهبها.

وهنا نصل إلى التحذير الأخطر:

إن هذه السنن الإلهية لا تختص بالكفار العقائديين فقط، بل تشمل كل من يكفر بالنعم، حتى لو كان ينتسب إلى الإسلام، بل حتى لو ادّعى التشيّع.

فكم من أمة رفعت شعار الدين، لكنها حين مُنحت النعم تحولت إلى الغفلة والترف والانقسام، ونسيت شكر المنعم!

وما المجتمعات العربية التي تدّعي الإسلام، وقد منحها الله تعالى أنواع العطاء، إلا أحد هذه المصاديق.

وإذا أردنا مثالًا واضحًا داخل المجتمع الشيعي، فهي أغلب الجهات السياسية التي تركت صوت المرجعية الدينية الرشيدة، والتي تُعد من النعم العظمى. كما سأبيّن ذلك في حلقات لاحقة إن بقي في العمر بقية، وحصل التوفيق لذلك؛ لذا أسألكم الدعاء بالشفاء.

وبهذا الخصوص أذكر بآية واحدة تُذكّر المجتمع عاقبة كفران النعم، حيث يقول الله تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً…﴾ (النحل: 112)

فمسألة شكر المنعم والحفاظ على النعم سلوكٌ يُعاش، وشكرٌ يُترجم إلى طاعة وعدل وإصلاح.

أيها الإخوة الكرام، إن خطاب المرجعية هنا لا يكتفي بالتشخيص، بل يوقظ الضمير، ويحمل المسؤولية، خصوصًا للخطباء والمبلّغين؛ ليكشفوا للأمة نتائج كفران النعم وخطورة السير في طريق الحضارات المادية المنفصلة عن الله.

فالمعركة اليوم ليست فقط بين شرق وغرب، ولا بين حضارة وأخرى، بل هي بين حضارة تسمع صوت السماء أو الفطرة، وحضارة تصم الآذان عنهما، وبين عقلٍ يهتدي بالوحي، وعقلٍ يستكبر عليه.

فأي طريق نختار؟!

إنها دعوة ملتهبة أن نكون من أهل الشكر لا من أهل الكفور، ومن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد: 17)

نسأل الله أن يجعلنا من السامعين لصوت الحق العاملين به، وأن لا يجعلنا من الذين إذا أُنعِم عليهم كفروا، وإذا أُعطوا طغوا.

والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى