
كتب السيد رسول الياسري.. خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى، الحلقة الثالثة: بين صراع الحضارات وصدامها وحوارها… قراءة قرآنية في إدارة الاختلاف الإنساني.
أيها الشباب الواعي الرسالي ، في زمن تتشابك فيه الأفكار، وتتقاطع فيه المصالح، وتتصادم فيه الرؤى، يكثر الحديث عن مفاهيم كبرى مثل
صراع الحضارات وصدام الحضارات وحوار الحضارات
غير أن هذه المصطلحات، وإن كانت متداولة في الخطاب المعاصر، فإن القرآن الكريم قد سبق إلى تأصيل مضامينها، ورسم منهجا دقيقا للتعامل مع الاختلاف البشري، لا يقوم على الفوضى، ولا يستسلم للضعف، ولا ينزلق إلى الطغيان
ومن هنا، تأتي هذه القراءة القرآنية لتفكيك هذه المفاهيم، وبيان الفروق الجوهرية بينها، تمهيدا لفهم أعمق للتحولات الكبرى التي يعيشها عالمنا اليوم، وهو ما سنتحدث عنه أيضا في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى
صراع الحضارات في حقيقته ليس بالضرورة ظاهرة سلبية، بل هو تعبير عن سنة إلهية أودعها الله في حياة البشر، وهي سنة التدافع
فهو حالة من التنافس والتفاعل بين منظومات مختلفة — فكرية أو دينية أو أخلاقية — بهدف إثبات الوجود أو تصحيح المسار، لذا نسمع بأن الحرب في هذه الفترة حرب وجود ضد الإسلام الأصيل
وهذا النوع من الصراع حين تقوده جبهة الحق ، إذا كان منضبطا بالقيم، فإنه يؤدي دورا إصلاحيا عظيما كما في قوله تعالى:﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)
وقوله تعالى:﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ (الحج: 40)
ومن أوضح الأمثلة القرآنية على هذا التدافع: قصة طالوت وجالوت، حيث واجهت فئة مؤمنة قليلة فئة متجبرة كثيرة، فقال تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 249)
وهنا يتجلى أن هذا الصراع لم يكن عبثيا، بل كان صراعا بين الحق والباطل، هدفه إزالة الفساد، ونتيجته إقامة العدل
ومن ثم، فإن هذا النوع من الصراع هو صراع إيجابي يحقق التوازن ويحفظ المجتمعات من الانهيار
أما صدام الحضارات، فهو انحراف عن مسار التدافع المشروع، حيث يتحول الاختلاف إلى تصادم عنيف قائم على الاستعلاء والهيمنة وإلغاء الآخر
ومن أبرز سماته
فرض القوة بدل الحجة، واحتكار الحقيقة، وغياب القيم، وممارسة القمع والاستكبار
وقد جسد القرآن هذا النموذج في شخصية فرعون، حيث يقول تعالى
:﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (القصص: 4)
وقال سبحانه :﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (الزخرف: 54)
لقد كان صدام فرعون مع نبي الله موسى عليه السلام صداما قائما على الطغيان، لا على الحوار، إذ قال:
﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (غافر: 29)
فاحتكر الحقيقة، ورفض النقاش، ولجأ إلى القتل والإرهاب، فكانت النتيجة الحتمية:
هلاك حضارته بأكملها
وهكذا نصل إلى قاعدة واضحة:
الصدام هو صراع منحرف، فإذا اقترن بالاستكبار والقمع، كانت نهايته الدمار والإنهيار والزوال عن الساحة
في مقابل ذلك، يقدم القرآن نموذجا راقيا لإدارة الاختلاف، وهو حوار الحضارات، الذي يقوم على الحكمة، واحترام الإنسان، والبحث الصادق عن الحقيقة قال تعالى:﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل: 125)
وقال عز وجل :
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (70) ﴾ (آل عمران)
وقوله سبحانه وتعالى
﴿ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾(سورة سبأ: 24)
ومن النماذج القرآنية البارزة:
حوار نبي الله إبراهيم عليه السلام مع النمرود
حين ادعى النمرود القدرة على الإحياء والإماتة، نقله نبي الله إبراهيم عليه السلام إلى مستوى أعلى من الحجة، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ (البقرة: 258)
فكان حوارا عقليا كشف زيف الخصم بالحجة لا بالقوة
وحوار نبي الله موسى مع فرعون قبل الصدام قال تعالى:﴿هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾ (النازعات: 18)
فكانت دعوة هادئة، ومحاولة إصلاحية لإنقاذ الخصم، قبل أن يتحول الأمر إلى مواجهة
وهذا يبين أن الحوار في المنهج القرآني ليس ضعفا، بل هو أقوى وسائل الوصول إلى الحق بأقل الخسائر
ومن ذلك نستفيد بأن صراع الحضارات، تدافع مشروع بين الحق والباطل، يحفظ التوازن
وصدام الحضارات، طغيان واستعلاء وإلغاء للآخر، يؤدي إلى الدمار
وأما حوار الحضارات تواصل بالحكمة والبرهان، يقود إلى الهداية والسلام
والقرآن الكريم يعطينا قاعدة ذهبية في إدارة الاختلاف
فيرسم مسارا متدرجا واضحا
يبدأ بـالحوار:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ فإن رفض الحق، ينتقل إلى الصراع المشروع:﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ (الحج: 39)
فإذا بلغ الباطل حد الطغيان، وقع الصدام وكانت نهايته الهلاك:
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾
أيها الأحبة، إن القرآن الكريم لا يدعو إلى الاستسلام، ولا يشرع العدوان، بل يؤسس لمنهج متوازن
حكمة في الحوار
عدالة في الصراع
حسم عند الطغيان
وهنا نفهم عن أي مرحلة تكلمت المرجعية الدينية الرشيدة في خطابها، تكلمت عن صدام الحضارات الذي سيؤدي إلى زوال جبهة الباطل عن الساحة والله عزيزي ذو إنتقام معز المؤمنين مذل الكافرين وهو على كل شيء قدير
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



