مقالات
أخر الأخبار

حين يتحوّل التعليم إلى رقم في كشف الرواتب

كتب العلاء صلاح عادل: في زمنٍ تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتشتدّ فيه وطأة الضغوط الاقتصادية، لم يعد التعليم لدى شريحة واسعة من الطلبة رحلةً معرفية بقدر ما أصبح استثماراً يُقاس بعائده المادي.

 

تغيّر السؤال الجوهري من: ماذا أريد أن أتعلم؟ إلى: كم سأجني بعد التخرّج؟، وهو تحوّل لا يعكس تبدّل الأولويات فحسب، بل يكشف عن خللٍ عميق في فهم وظيفة العلم ودوره في بناء الإنسان.

هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، فالتغيرات الاقتصادية وسوق العمل المتقلّب جعلا الشهادة الجامعية بوابةً شبه إلزامية نحو الوظيفة، والوظيفة بدورها صارت معياراً للاستقرار.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز هذا الربط حدوده الطبيعية، فيتحوّل من وسيلةٍ إلى غاية، ويُختزل التعليم في كونه سلّماً للصعود المالي، بدل أن يكون مساراً لتشكيل الوعي وتوسيع الأفق.

وقد انعكس ذلك بوضوح على اختيارات الطلبة وسلوكهم الأكاديمي، فالتخصصات لم تعد تُختار بدافع الشغف أو القابلية، بل وفق “بورصة” السوق، حيث ترتفع أسهم بعض المجالات لأنها “مربحة”، بينما تتراجع أخرى رغم أهميتها المعرفية والثقافية.

النتيجة: أعداد كبيرة من الخريجين يحملون شهادات لا تعبّر عن ميولهم، ما ينعكس في ضعف الإبداع، وتدنّي الحافزية، وشعورٍ مزمن بعدم الرضا.

الأثر لا يقف عند حدود الفرد، بل يمتد ليصيب بنية المجتمع، فعندما يُختزل التعليم في حسابات الربح والخسارة، يتراجع التنوع المعرفي، وتُهمّش مجالات أساسية كالفنون والآداب والعلوم الإنسانية، وهي الحقول التي تصوغ الوعي الجمعي وتمنح المجتمعات عمقها الثقافي.

وفي المقابل، يمتلئ سوق العمل بخريجين يسعون إلى “الاستقرار” أكثر من سعيهم إلى الإبداع، ما ينعكس سلباً على جودة الأداء والإنتاج، ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل منطق الواقع؛ فالتفكير في المستقبل المادي ضرورة، وليس ترفاً، غير أن الخلل يكمن في تحويل هذا التفكير إلى البوصلة الوحيدة، فثمة فرق جوهري بين أن يكون المال نتيجةً للعلم، وبين أن يكون هو الدافع الأوحد له، في الحالة الأولى، يتقدّم الإنسان مدفوعاً بالشغف، فيُبدع ويُنتج، أما في الثانية، فينحصر جهده في تحقيق الحد الأدنى الذي يضمن العائد.

التعليم في جوهره ليس ممراً نحو وظيفة فقط، بل هو عملية متكاملة لصناعة الإنسان: يطوّر قدرته على التفكير النقدي، ويمنحه أدوات فهم الواقع، ويؤهله للتكيّف مع التحولات المتسارعة، وعندما يُختزل في بعده المادي، يفقد هذه القيمة العميقة، ويتحوّل إلى تجربة سطحية خالية من المعنى.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التوازن إلى معادلة التعليم، فاختيار التخصص ينبغي أن يقوم على مزيجٍ واعٍ من الشغف والواقعية، لا على أحدهما دون الآخر، كما تقع على عاتق المؤسسات التعليمية مسؤولية ترسيخ هذا الوعي، عبر ربط المعرفة بالحياة، وتنمية مهارات الإبداع والتحليل، بدل الاقتصار على التلقين وإنتاج الشهادات.

في المحصلة، لا ينبغي أن يتحول التعليم إلى معادلةٍ رقمية تختزل قيمته في راتبٍ آخر الشهر، بل يجب أن يبقى فضاءً لصناعة الوعي وبناء الإنسان، فحين يكون الهدف أعمق من مجرد العائد المادي، يصبح النجاح أكثر رسوخاً وتأثيراً، المال قد يأتي ويتغير، أما ما يصنعه العلم في داخل الإنسان فيبقى، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه كل الإنجازات.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى