
كتب عادل الجبوري: لعل من بين أبرز الأحداث السياسية التي شهدتها العاصمة بغداد خلال عام 2025، هي استضافة القمة العربية الرابعة والثلاثين، في السابع عشر من أيار، بحضور ومشاركة عدد من الزعماء والقادة العرب، وغياب البعض الآخر، لأسباب سياسية أكثر من كونها فنية.
وكانت هذه هي القمة العربية الثانية التي يستضيفها العراق بعد سقوط نظام صدام في ربيع عام 2003، إذ استضاف في عام 2012 القمة العربية الثالثة والعشرين.
وقبل ذلك، وتحديداً في التاسع عشر من نيسان، احتضنت بغداد اجتماعات البرلمان العربي، بمشاركة ستين ممثلاً عن برلمانات الدول العربية.
كذلك شهدت العاصمة العراقية، زيارات وجولات حوار حول قضايا متعددة، لساسة ودبلوماسيين ومسؤولين عرب وأجانب، من بينهم الرئيس الباكستاني، آصف علي زرداري، وامين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والمدير العام للأمن العام اللبناني، اللواء حسن شقير، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ونائب وزير الخارجية الروسي إلكسندر بوغدانوف، ونائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده، ونائب وزير الخارجية الأمريكي مايكل ريغاس، وآخرون غيرهم.
إلى جانب ذلك، وقع العراق مطلع تشرين الثاني 2025، اتفاقية شاملة لإدارة المياه مع تركيا، ومثلت هذه الاتفاقية خطوة مهمة لمعالجة أزمة المياه الخانقة، والتي أخذت تتفاقم وتستفحل في العراق خلال الأعوام القلائل الماضية، جراء المنهج التركي القائم على الاستحواذ والاستئثار.
ولم تكن تلك الاتفاقية، منفصلة تماماً عن إعلان حزب العمال الكردستاني التركي المعارض (PKK) في شهر أيار، نزع سلاحه وإنهاء نشاطه العسكري، في خطوة جاءت بعد سلسلة طويلة من المباحثات والمفاوضات بين أطراف كردية وتركية مختلفة، كان زعيم الحزب عبد الله أوجلان القابع منذ ستة وعشرين عاماً في أحد السجون بجزيرة إيمرالي، جزءاً رئيسياً منها.
وطيلة العام المنصرم، لم يتأخر العراق في الإعراب عن مواقفه الرافضة والمستنكرة للعدوان الصهيوني الذي لم يتوقف على فلسطين ولبنان، رغم إبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار برعاية وإشراف أطراف دولية وإقليمية وعربية.
في ذات الوقت، كان موقف العراق واضحاً وقاطعاً في رفض وإدانة المجازر الدموية، التي ارتكبتها العصابات الإجرامية التكفيرية في سوريا ضد مختلف مكونات الشعب السوري، لا سيما أبناء الطائفة العلوية، تلك المجازر التي تسببت باستشهاد وتهجير وتشريد مئات الأشخاص الأبرياء، وبينهم الكثير من الأطفال والنساء وكبار السن.
أضف إلى ذلك، واصلت الأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، ومن بينها قوات الحشد الشعبي، ملاحقتها لفلول وعصابات “داعش” الإرهابية في مناطق مختلفة، ونجحت بتصفية العديد من قياداتها وكوادرها، وكان من بين أبرز الإرهابيين، الذين تمت تصفيتهم، ما يسمى (والي العراق وسوريا)، المجرم عبد الله مكي مصلح الرفيعي، المكنى “أبو خديجة».
فضلاً عن ذلك، شغل ملف الانتخابات البرلمانية بدورتها السادسة حيزاً كبيراً وواسعاً من المساحة الزمنية لعام 2025، ورغم أن الانتخابات أجريت في الحادي عشر من تشرين الثاني، أي في أواخر العام، إلا أن التحضيرات والاستعدادات الفنية واللوجستية بدأت منذ وقت مبكر، إذ إن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عملت بشكل متواصل على امتداد بضعة شهور، مع جهات حكومية أخرى، لإنجاز كل المستلزمات المطلوبة، وخصوصاً دراسة وتقييم سير المرشحين، لتنتهي الأمور إلى تنافس أكثر من سبعة آلاف مرشح على ثلاثمئة وتسعة وعشرين مقعداً، يمثلون ثماني عشرة محافظة.
وقد جرت الانتخابات في ظل أجواء أمنية جيدة، وشهدت مشاركة كبيرة مقارنة بالانتخابات، التي سبقتها، حيث بلغت نسبة المشاركة فيها (56.1%)، وتمخضت عن جملة نتائج لافتة، من بينها حصول قوى محور المقاومة على أكثر من ثمانين مقعداً، في مقابل إخفاق القوى المدنية بإحراز أي مقعد.
وبينما لم تتضح هوية رئيس الوزراء المقبل، ولا رئيس الجمهورية، حتى الآن، صوت مجلس النواب الجديد في جلسته الأولى، المنعقدة في التاسع والعشرين من كانون الأول الماضي، بالأغلبية المطلقة على انتخاب النائب عن حزب تقدم هيبت الحلبوسي رئيساً له، والنائب عن كتلة صادقون عدنان فيحان نائباً أول، والنائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني فرهاد أمين الأتروشي نائباً ثانياً للرئيس.
وليس بعيداً عن الانتخابات البرلمانية، ومجمل الحراك السياسي العام، فإنه رغم أن الحكومة الحالية، أنجزت خلال العام المنصرم، عشرات المشاريع الاستراتيجية المهمة ذات الطابع الخدمي، من قبيل تشييد الجسور والأنفاق، وتوسيع شبكات الطرق، وبناء وترميم المستشفيات والمراكز الصحية، ودعم الفئات المحرومة من خلال شبكة الحماية الاجتماعية، إلى جانب ملاحقة الفساد والفاسدين، ووضع ضوابط وآليات لحماية المال العام، إلا أنها واجهت تحديات اقتصادية- مالية مقلقة، ارتبطت أساساً بتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وعدم وجود موارد محلية يعتد بها غير النفط، يمكن أن تساهم في تعزيز وتنشيط الدورة الاقتصادية البلاد.
ويبدو أن تلك التحديات ستلقي بظلالها الثقيلة على مشهد العام الجديد، وستشكل هاجساً حقيقياً، واختباراً صعباً للحكومة القادمة ورئيسها.
ولا شك أن مدى القدرة على مجابهة التحديات الاقتصادية- وحتى غير الاقتصادية، وأبرزها الوجود الأجنبي-والتغلب عليها بأقل قدر من الخسائر والاستحقاقات، يرتبط بشكل أو بالآخر بالاستقرار والوئام السياسي، الذي يمكن أن تتحدد وتتضح معالمه وملامحه الأولى من خلال طبيعة وتركيبة الحكومة المقبلة، والفترة الزمنية التي ستستغرق لتشكيلها، وجوهر ومضمون وأولويات برنامجها الوزاري، ولعل ذلك أو أغلبه، سيتجلى ويتبلور خلال الشهور الأولى من عام 2026.
وسواء تم التجديد لرئيس الوزراء الحالي لولاية ثانية، أو جرى اختيار شخصية أخرى، فإن المطلوب، فتح الكثير من الملفات المغلقة، والاتجاه الجاد لتحقيق إصلاحات حقيقية، تفضي إلى تكريس مبدأ العدالة، وتطويق الفساد، وتنويع موارد الدولة، وتقوية مؤسساتها، ووضع حد لأسلوب المجاملات والترضيات والمساومات على حساب مصلحة الوطن واحتياجات المواطن، وبدون ذلك كله وغيره، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، لا تنتج سوى المزيد من المشاكل والأزمات، وتفتقد للحلول والمعالجات.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



