مقالات
أخر الأخبار

الفعل الصامت في السياسة.. الصين أنموذجاً

كتب علي حميد الطائي: في عالمٍ تتصدّره الضوضاء السياسية، وتُدار فيه الصراعات عبر المنابر والبيانات والتحالفات الصاخبة، اختارت الصين أن تتحرك على إيقاع مختلف، إيقاع هادئ ومحسوب وقليل الكلام لكن كثير الأثر.

 

فبينما ينشغل الفاعلون الدوليون بإعلان المواقف وتبادل الاتهامات، تمضي بكين في بناء نفوذها بصمت معتمدةً على منطق التراكم لا الصدام، وعلى الفعل لا الخطاب، هنا تتجلى ملامح ما يمكن تسميته بالفعل الصامت في السياسة.

منذ انفتاحها الاقتصادي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، رسّخت الصين فلسفة سياسية تقوم على ضبط الطموح في العلن، وتكثيف العمل في العمق، وهي غير ساعية إلى تصدير نموذجها بالقوة، ولم تدخل سباق الهيمنة عبر الأدوات العسكرية، بل انطلقت من قناعة مفادها أنّ النفوذ الحقيقي يُبنى حينما تصبح مصالح الآخرين مرتبطة بك لا حينما يخشونك، هكذا تحوّل الاقتصاد إلى بوابة السياسة، وتحولت التنمية إلى لغة دبلوماسية بديلة.

تقدّمت الصين إلى العالم عبر التجارة وسلاسل التوريد حتى أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة الاقتصادية لعشرات الدول، لم يكن هذا الحضور مصحوباً بشروط سياسية صارمة أو خطابات أيديولوجية، بل عُرض بوصفه شراكة منفعة متبادلة، ومع مرور الوقت لم تعد هذه الشراكات مجرد تبادل تجاري، بل تحولت إلى علاقات اعتماد متبادل تجعل من أي قطيعة سياسية خطوة مكلفة قبل أن تكون موقفاً سيادياً.

وجاءت مبادرة – الحزام والطريق – لتمنح هذا المسار بعده الجيوبوليتيكي الأوضح، فالمبادرة التي امتدت عبر القارات، قُدّمت في ظاهرها مشروعاً تنموياً عابراً للحدود، لكنها في جوهرها أعادت رسم خرائط النفوذ العالمي.

الموانئ التي تُبنى والطرق التي تُعبّد والسكك التي تُمد، لا تحمل شعارات سياسية، لكنها تخلق واقعاً جديداً تُدار فيه حركة التجارة والطاقة واللوجستيات عبر مفاتيح صينية، إنه نفوذ لا يُفرض بالقوة بل يتسلل عبر البنية التحتية ويستقر في قلب الاقتصاد.

في مقابل هذا المسار حافظت الدبلوماسية الصينية على خطاب (منخفض السقف)، يتجنب التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول ويركز على مبدأ عدم الصدام، رغم ذلك فالتصريحات المتكررة وعلى لسان أعلى القيادات الصينية من أنها لا تبحث عن الصدام لكن إذا حصل فلا تراجع.

هذا الأسلوب أكسب الصين قبولاً واسعاً في بيئات أنهكتها الصراعات والتجارب القسرية، وجعلها تبدو شريكاً عملياً لا واعظاً سياسياً، فالدول التي تبحث عن طرق وجسور ومحطات طاقة وجدت في الصين فاعلاً حاضراً بالفعل لا بالاكتفاء بالنصيحة.

وعند وضع هذا النموذج في ميزان المقارنة مع القوى الكبرى التقليدية تتضح المفارقة، فبينما اعتمدت قوى كبرى على القواعد العسكرية والعقوبات والتحالفات الصلبة، راهنت الصين على الأسواق والتمويل والمشاريع طويلة الأمد، الأولى صنعت حضورها عبر القوة الخشنة، والثانية عبر النفوذ الهادئ؛ الأولى واجهت مقاومة مباشرة فيما الثانية نسجت علاقات يصعب فكّها دون كلفة عالية.

خطورة هذا النموذج لا تكمن في ضجيجه بل في هدوئه، فالقوة الصامتة لا تستفز الخصوم ولا توحّدهم ضدها، بل تعمل على تفكيك قدرتهم على الرفض مع مرور الزمن، إنها لا تسعى إلى إسقاط النظام الدولي القائم، بل إلى إعادة تشكيله من الداخل، بحيث تصبح جزءاً لا يمكن تجاوزه من معادلاته الاقتصادية والسياسية.

في السياق العراقي يكتسب هذا الفعل الصامت دلالات خاصة، فالصين حاضرة في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية، بعقود طويلة الأمد ومشاريع استراتيجية من دون أن ترفع سقفاً سياسياً أو تفرض خطاباً أيديولوجياً، غير أن هذا الحضور على هدوئه، يفرض أسئلة جوهرية تتعلق بكيفية إدارة الشراكات الدولية وحدود الموازنة بين الحاجة إلى الاستثمار والتنمية، والحفاظ على القرار السيادي والاستقلال الاقتصادي.

في المحصلة النهائية لا تمارس الصين السياسة من فوق المنصات ولا تخوض معاركها عبر الاستعراض، إنها تبني طريقاً وتدير ميناءً وتشغّل محطة طاقة، ثم تترك للزمن أن يفعل ما لا تفعله الخطب، ذلك هو جوهر الفعل الصامت في السياسة: أن تغيّر موازين القوة من دون إعلان، وأن تصل إلى قلب النظام الدولي فيما الآخرون ما زالوا منشغلين بصراعات الصوت العالي.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى