
كتبت نرمين المفتي.. حين وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الفضاء الرقمي بأنه “الغرب الرقمي الوحشي”، لم يكن يلجأ إلى استعارة لغوية عابرة.
فقد جاءت العبارة خلال مشاركته في قمة الحكومات العالمية، التي عقدت في دبي الأسبوع الماضي، وأمام جمهور من صناع القرار وقادة التكنولوجيا، وفي سياق نقاش رسمي حول مستقبل التنظيم الرقمي.
هذا السياق يمنح الوصف ثقله الحقيقي، فهو تشخيص سياسي معلن لمرحلة نعيشها دون أن نملك مفرداتها بعد.فـ«الغرب الوحشي» في الذاكرة التاريخية لم يكن مجرد فوضى، بل زمنا انتقاليا سبق قيام الدولة والقانون، حيث كانت القوة أسرع من القضاء، والمال أقوى من الأخلاق، والبقاء للأكثر شراسة لا للأكثر عدالة. إسقاط هذا الوصف على الفضاء الرقمي المعاصر ليس مبالغة، بل توصيف دقيق لحالة ما قبل التنظيم.الفضاء الرقمي اليوم ليس حيزا محايدا، ولا مجرد أداة تقنية.
إنه مجال سلطة مكتمل الأركان، ينتج القيم، يعيد تشكيل الوعي، ويؤثر في السلوك والنمو النفسي، لا سيما لدى الأطفال والمراهقين. ومع ذلك، تتم ادارته وفق منطق أقرب إلى “الحدود المفتوحة” منه إلى الفضاء العام المنظم.
شركات تكنولوجية عابرة للدول، بلا تفويض ديمقراطي أو مساءلة حقيقية، تتحكم في خوارزميات تحدد ما نراه وما نغضب له وما نخافه.في “الغرب الوحشي” التاريخي، كان الأطفال من أوائل الضحايا.
والمفارقة أن التاريخ يعيد نفسه رقميا. يدخل الأطفال اليوم هذا الفضاء بلا أدوات حماية فعالة، فيتعرضون للعنف الرمزي والاستغلال والتنمر والإدمان الخوارزمي وتشييء الجسد، تحت مظلة واحدة تلجأ اليها الشركات كما طُرحت مسألة التنظيم وهي حرية السوق.لكن خطورة “الغرب الرقمي الوحشي” لا تتوقف عند الطفولة.
فالفضاء الرقمي بات يعيد تشكيل المجتمعات نفسها، ويُحدث تحولات عميقة في منظومة القيم وأنماط التفكير. ما تكافئه الخوارزميات يتحول إلى قيمة عامة، وما تهمشه تقنيا يقصى أخلاقيا وثقافيا.
هنا يتقاطع هذا التشخيص مع ما يسميه الفيلسوف الكندي آلان دونو (نظام التفاهة). فالمسألة لا تتعلق بفوضى عابرة، بل بنظام مكافأة يجعل التفاهة شرطا للنجاح. لا ينتصر الأعمق ولا الأصدق، بل الأكثر قابلية للاستهلاك والأسرع انتشارا. لا يقصى المعنى بالقمع، بل بالإغراق، ولا تمنع الحقيقة، بل تدفن تحت طوفان من المحتوى السريع. أخطر ما في هذا النظام أنه يعمل بهدوء، ويجعل الامتثال تلقائيا، والتفاهة خيارا عقلانيا لمن يريد البقاء مرئيا. في هذا العالم، لم تعد الحقيقة شرط الانتشار، بل الإثارة، ولم يعد العمق فضيلة، بل عبئا. تتآكل القيم البطيئة، التفكير النقدي، الحوار والذاكرة، لصالح ثقافة الاستفزاز السريع والاستقطاب.
والمجتمعات التي كانت تتشكل عبر مؤسساتها التربوية والثقافية باتت تعاد صياغتها عبر “الترند” والخوارزمية، أي عبر منطق ربحي لا يرى في الإنسان إلا وحدة بيانات.
وهنا نصل إلى جوهر الوحشية الرقمية في تسليع الإنسان نفسه. فالمعلومات الشخصية أصبحت السلعة الأثمن في الاقتصاد الرقمي، تجمع وتباع تحت عناوين مثل “تحسين التجربة”، بينما يتحول المواطن إلى كائن مكشوف، قابل للتنبؤ والتوجيه.
ولا تتجلى هذه الوحشية فقط فيما يسمح به من أذى، بل فيما يعاد تزويره من سرديات. فالفضاء الرقمي ليس حيزا متكافئا للروايات. في حالة غزة، مثلا، لم يمارس العنف عبر القصف فقط، بل عبر الخوارزمية أيضا من خلال تقليص الوصول، تقييد اللغة، وإعادة توصيف الجريمة.
اي، لم تزور الحقيقة بالكذب، بل بالاختفاء المنهجي. هكذا يصبح توصيف سانشيز سياسيا بامتياز. فهو لا يهاجم التكنولوجيا، بل يفضح غياب الدولة داخل الفضاء الرقمي، ويقلب السردية الليبرالية السائدة التي ترى المشكلة في تدخل الحكومات لا في انسحابها الطويل. ولم يكن اعتراض إيلون ماسك على هذا الوصف رد فعل شخصيا ولا دفاعا عن منصة بعينها، بل تعبيرا صريحا عن أيديولوجيا ترى في أي تنظيم تهديدا، وفي أي مساءلة قيدا على “حرية التعبير”.
في هذا التصور، تختزل الحرية في غياب القانون، ويعاد تقديم السوق بوصفه فضاء أخلاقيا مكتفيا بذاته، حتى لو كان ثمن ذلك تعريض الأفراد والمجتمعات، لا الأطفال فقط، لأشكال جديدة من العنف غير المرئي.إن أهمية توصيف “الغرب الرقمي الوحشي” في أنه يعيد النقاش إلى سؤاله الجوهري وهو هل الفضاء الرقمي سوق محض، أم فضاءٌ عام؟.وإذا كان فضاء عاما، فلا بد أن يخضع لقواعد تحمي الأضعف، وتصون المجتمع.في النهاية، هذا الوصف ليس شتيمة، بل تحذير تاريخي. الغرب الوحشي انتهى حين فُرض القانون، لا حين مجدت الفوضى.
والسؤال اليوم لم يعد، هل ننظم الفضاء الرقمي؟ بل، كم إنسانا وكم حقيقة وكم مجتمعا سيدفع الثمن قبل أن نفعل؟.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



