مقالات
أخر الأخبار

السيادة بين كرامة الموقف وخطر الرضوخ للطغيان

كتب السيد رسول الياسري: بسم الله قاصم الجبارين، مبير الظالمين، مدرك حاجات الطالبين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (سورة إبراهيم: 46–47).

لم تعد تدخلات الإدارة الأميركية في شؤون البلدان الأخرى موضع شك أو اجتهاد، بل غدت حقيقة ماثلة تمارس بوقاحة سياسية، تغلف بشعارات براقة عن «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الأمن القومي»، فيما يشهد الواقع أنها ليست سوى ستار يخفي فشلاً داخلياً عميقاً، وأزمات بنيوية متراكمة، تصدر إلى الخارج على هيئة أعداء متخيلين واستفزازات مقصودة.

إن الإدارة التي تعجز عن معالجة الانقسام المجتمعي، والانهيار الأخلاقي، واتساع الفجوة الطبقية، وتآكل الثقة بين الحاكمِ والمحكوم، تبحث بطبيعتها عن خصم خارجي تعلق عليه إخفاقاتها، فتشعل بؤر التوتر، وتربك الاقتصاد، وتهدد الدول، علها توحد الداخل بالخوف، لا بالإصلاح.

أيها الشعوب الحرة، إن رفض التدخل الأميركي في شؤون الدول، ليس موقفاً عدائياً تجاه الشعب الأميركي، بل هو دفاع مشروع عن سيادة الأمم وكرامة الشعوب.

فالشعوب لا تحاسب بجريرة حكامها، وقد شهد العالم حراكاً شعبياً واسعاً داخل الولايات المتحدة، من مظاهرات رافضة لزج البلاد في شؤون الشعوب، ورافضة لمساندة الصهاينة في القضية الفلسطينية، ورافضة للتمييز العنصري، ولسياسات ترحيل المهاجرين وغيرها من أشكال الظلم.

ومن هنا نجدد دعوتنا لشعوب العالم، وفي مقدمتهم الشعب الأميركي، إلى تكثيف مواقفهم الرافضة لغطرسة الإدارة الأميركية.

إن السياسات المتغطرسة، والعنجهية السياسية، والهمجية العسكرية، هي التي تصنع الكراهية وتغذي الاحتقان، حين تفرض الإرادات بالقوة، وتسلب الأوطان حقها في تقرير مصيرها.

لقد دأبت الإدارات الأميركية على التعامل بعلو واستكبار، لا مع خصومها فحسب، بل حتى مع حلفائها.

فأي علو أشد من دولة تنصب نفسها وصياً على العالم، وتحدد للآخرين كيف يحكمون، ومع من يتحالفون، وكيف يعيشون؟

أيها الغيارى، إن الموقف الطبيعي لكل حر شريف، ولكل دولة تحترم نفسها، هو عدم الالتفات إلى تهديدات إدارة رعناء، لا تعرف من منطق السياسة والتفاهم والتفاوض إلا لغة الضغط والابتزاز.

فالرضوخ لا يجلب أمناً، والتنازل لا يصنع استقراراً، بل يفتح شهية الطغيان لمزيد من الإملاءات.

ومن الحكمة السياسية، بل ومن الواجب الأخلاقي، تحويل البوصلة الاقتصادية والاستثمارية — بوصفه أحد أشكال الرد المشروع — نحو الدول التي تحترم سيادة البلاد، وتقيم علاقاتها على قاعدة المصالح المتبادلة، لا الإملاءات الفوقية، وعلى الشراكة لا الوصاية.

وهنا تتعاظم مسؤولية طلبة العلم، والعلماء، والمثقفين الذين خبرهم المجتمع ولا سيما في أوقات الأزمات، إذ لا يصح أن يترك الناس فريسة للخوف، أو ضحية للدعاية المضللة.

إن من واجبهم بيان الجنبة العقدية لهذه المواجهة، وخطورة الرضوخ للظالمين، فالقضية ليست سياسة فحسب، بل قضية إيمان وموقف.

قال الله تعالى في كتابه الكريم بوضوح لا لبس فيه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (سورة هود: 113).

فالركون يبدأ بالسكوت عن الظالم، ثم التأييد بكلمة، ثم موقف، ثم تنازل، حتى يتحول إلى تبعية كاملة.

أيها الشعوب المؤمنة، إن تاريخ الأنبياء والمرسلين مدرسة الأحرار في مواجهة الطغاة.

فقد واجه النبي موسى (عليه السلام) فرعون بقلة مستضعفة، لكنه قال بثقة المؤمن: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (سورة الشعراء: 62).

وألقي النبي إبراهيم (عليه السلام) في النار، لا يملك جيشاً ولا سلاحاً، فحول التوكل الصادق النار برداً وسلاماً.

وواجه نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قوى الشرك العالمية آنذاك محاصراً، قليل العدد، ضعيف العدة، فكانت النتيجة فتحاً وتمكيناً، لأن المعركة كانت معركة حق، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (سورة البقرة: 249).

أيها الناس، إن الأمم التي تحفظ كرامتها، وتثق بربها، وتستند إلى وعي شعبي حي، لا تهزم بالتهديدات، ولا تشترى بالضغوط.

أما الإدارات المتغطرسة، فمصيرها — كما علمنا القرآن — إلى زوال، مهما طال الأمد.

قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء: 227).

فالسيادة موقف، والكرامة ثبات. ومن توكل على الله كفاه، ومن خاف غيره أذله الخوف وأخزاه.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 139).

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى