مقالات
أخر الأخبار

الحوزة بين تراكم المعرفة وصناعة القادة

كتب سماحة السيد رسول الياسري:

خطاب المرجعية الدينية الرشيدة والتحولات الكبرى

[الحلقة التاسعة]

الحوزة بين تراكم المعرفة وصناعة القادة

أيها الأحبة الكرام، في هذه الحلقة، سأشير إلى توجيهات هامة تختص بشؤون الحوزة الشريفة، ذكرتها المرجعية الدينية الرشيدة في خطابها مستفيدة من قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (سورة سبأ: 19).

 

حيث تندرج هذه التوجيهات تحت حالات من إصلاح وضع المناهج الدراسية، وتقويم أساليب التعامل مع الكتب الدراسية، والمصادر التي يفترض مراجعتها بما ينسجم مع روح الرسالة، ويبتعد عن الجمود الذي يثقل كاهل طالب العلم

مع التأكيد على عدم الإفراط فيما ليس مهماً وضرورياً، بل هو أقرب إلى الترف العلمي الذي يغرق طالب العلم في تفاصيل الحواشي، حتى يتيه في زحامها، وربما اختلطت عليه أصول المطالب، وضاعت منه المعالم الكبرى، في الوقت الذي تهمل فيه علوم حية نابضة، يفترض أن تكون في صدارة أولوياته، وأن تحظى بعنايته واهتمامه.

وقد دعت المرجعية الدينية الرشيدة، عقب شهادة المرجع السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره)، إلى إنشاء أقسام تخصصية تعنى بهذه العلوم، وتفعيلها حوزوياً، لأنها تمثل في حقيقتها جوهر الدراسة الحوزية، وروحها التي بها تحيا.

وأضرب لذلك أمثلة: علوم وتفسير القرآن الكريم، الذي هو كتاب الهداية والنور، والبحث في سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، باعتبارهم العدل للقرآن الكريم، والامتداد الحي له، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النحل: 44).

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: 7).

وهو ما قام به سماحة المرجع (دام ظله)، من تسليط الضوء على بحث تحليلي موضوعي لأدوارهم العظيمة (عليهم الصلاة والسلام)، في كتاب عملت عليه ثلاث من المرجعيات الحركية، وهو كتاب دور الأئمة، الذي لا يقدم سرداً تاريخياً بقدر ما يصوغ وعياً رسالياً، ويعيد قراءة المسيرة قراءة مسؤولة.

كذلك دعا سابقاً إلى الاهتمام بكتاب نهج البلاغة، ذلك السفر الخالد الذي يمثل تجربة فريدة لحياة قائد إلهي عظيم، يعد نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنص القرآن الكريم: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ (آل عمران: 61).

فهو مدرسة قيادة، ومنهج دولة، ولسان عدل، لا مجرد نصوص تقرأ، بل معالم تتبع، وروح تستحضر.

وهذه المصادر ليست مجرد معارف تدرس، بل هي معامل لصناعة القادة، ومشاغل لإعداد الإنسان الرسالي، من خلال سيرة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام)، خصوصاً إذا أدركنا أن الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا ينتظر أفراداً عاديين، بل قادة يحملون مشروعه العظيم، الذي سيعم الأرض كل الأرض، كما وعد الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (سورة القصص: 5).

وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (سورة الصف: 9).

وحقيقة، هنا سؤال يتردد في كلمات العلماء، ويطرق أسماع الواعين: من أولى بهذه الأدوار القيادية من الحوزة الشريفة بقسميها، الرجال والنساء؟!.

أليسوا هم حملة الرسالة؟! أليسوا هم ورثة الأنبياء؟!.

وهذا السؤال هو مفتاح التحول، وبوابة الانتقال بالحوزة الشريفة من مرحلة تراكم العلم إلى مرحلة تفعيل العلم، وهو ما تضمنه هذا الخطاب وخطابات أخرى للمرجعية، في الدعوة الصريحة إلى الجمع بين العلم والعمل الميداني والتبليغي.

حيث ينسى الكثير من الطلبة – مع الأسف – أدوارهم وتكليفاتهم الملقاة على عاتقهم، تلك التي حملتهم إياها السماء، وذكرتهم بها هذه المدرسة، مستندة إلى كتاب الله تعالى، ومنها آية النفر: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (التوبة: 122)، لتكون هذه الطائفة فقيهة في الدين بكل أبعاده، حاضرة في الميدان، منذرة لقومها إذا رجعت إليهم.

وهنا تتجلى الغاية الكبرى من طلب العلم: وهي الإنذار والتبليغ، لا الاكتفاء بالتعلم والتدوين.

وإلا، فما قيمة علم لا يترجم إلى واقع؟! وما جدوى معرفة لا تتحول إلى هداية؟!.

وأضرب مثالاً يقرب الصورة إلى أذهان الجمهور العام: فما قيمة دراسة الطب إن لم يمارس صاحبها معالجة المرضى؟! أليس في ذلك نقض للغرض؟! والحكيم – جل وعلا – لا ينقض غرضه، ولا يشرع عبثاً.

وهنا يمارس المرجع دور مهم وارد في الحكمة: من حذرك كمن بشرك، لأن كليهما يسعى لنجاتك.

ولكننا نواجه مشكلة في هذا الطرح، إذ يراه بعض المساكين _ من صغار العقول حتى ممن تلبس بعنوان طالب علم _ تعدياً على الآخرين، لا تفعيلاً لأوامر الله تعالى، رغم وضوح التكليف، ووجود الإمكانات العلمية، وتوفر الفرص لممارسة الأدوار الحوزوية التي فرضتها السماء.

ومن هنا، ينبغي لنا – ونحن صغار الطلبة – أن نحسن التلقي، وألا نتكبر على هذه المواعظ الصادقة، التي تصدر من علماء ناصحين، وقلوب مشفقة، تخاف علينا من المساءلة في يوم عظيم، قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشعراء 88-89).

وفي ختام الحلقة، أذكر ما يلي: إن هذا الخطاب، بما يحمله من عمق وتشخيص ومعالجة، يمكن أن يبنى عليه كتاب متكامل، لا يقتصر نفعه على الحوزة الشريفة، بل يمتد ليشمل طلبة الدراسات العليا في الجامعات الأكاديمية، لما فيه من رؤية إصلاحية واعية.

والأمر الآخر: أن ما كتبته ليس إلا بياناً مختصراً لخطاب المرجعية، وإلا فإن مثلي يقف عاجزاً عن الإحاطة التامة بكل مراد الكبار، وهذا القصور بحد ذاته يحملنا مسؤولية أعظم، ويدفعنا للتساؤل: كيف يكون حالنا مع من هو أعظم من المراجع؟! رحم الله الماضين، وحفظ الله الباقين، وهو صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى