
كتب إياد مهدي عباس: ثمة ركيزتان أساسيتان تعتمد عليهما الحكومات في إدارة الدولة وبناء اقتصادها المزدهر، ولا يمكن الاستغناء عنهما في منهجية أي حكومة تبحث عن مسيرة اقتصادية سليمة خالية من الأزمات والمشكلات المالية، فالركيزة الأولى تتمثل في (الإدارة) كعلم حديث ومنهج ناجح ومتبع في دول متطورة اقتصادياً وسياسياً، والركيزة الثانية يمثلها علم (الاقتصاد)، وهو علم مجرب له نظرياته وقوانينه العلمية في إدارة الموارد المتاحة للدولة، فكلاهما يمثلان أدوات نجاح الحكومات وسُبل قيامها بالتنمية المستدامة والوصول إلى اقتصاد مستقر وقوي، بعيداً عن المعوقات والمشكلات الاقتصادية التي تقف عائقاً أمام تقدم الدولة.
فعلم الإدارة يلعب دوراً حيوياً في نجاح أجهزة الحكومة وتحسين أدائها، من خلال وضع رؤية طويلة المدى لاستغلال الكفاءات بالشكل الأمثل، في قبال مواجهة المشكلات الإدارية المعقدة وطريقة التغلب عليها وإدارتها وفق أساليب علمية حديثة، أما علم الاقتصاد فهو ذلك العلم الذي يهتم بتطوير اقتصاديات الدول ورفاهية شعوبها وإبعاد خطر الفقر وعلاج آثاره المدمرة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات، وتقع على عاتقه مسؤولية رسم السياسات المالية والنقدية للبلاد ودراسة النشاط الاقتصادي من وجهة نظر مالية ونقدية والبحث في كيفية استغلال الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة عالية.
وفي معرض الحديث عن الاقتصاد العراقي والتحديات التي واجهته خلال أكثر من عقدين من الزمن، أجمع المراقبون للشأن الاقتصادي العراقي على وصفه بالاقتصاد الريعي وأنه أحادي الجانب يعتمد بشكل شبه مطلق على تصدير النفط، إذ تشكل عائدات النفط أكثر من 90 % من مجموع صادراته، كما أنه يسهم بنسبة 85 % من الموازنة العامة للبلاد، لذلك لم يكن اقتصاد العراق مستقراً في مسيرته خلال العقدين الماضيين، فكلما انخفضت الإيرادات النفطية ازدادت الفجوة ما بين الإيرادات والنفقات، وبالتالي زيادة حجم العجز المالي في الموازنة العامة.
وكون الاعتماد على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة لم يعد كافياً في تغطية النفقات الحكومية بسبب تضخم الجهاز الإداري إلى أكثر من 6 مليون موظف، إذ يمتلك العراق واحدةً من أعلى نسب التوظيف على مستوى المنطقة، أضف إلى ذلك تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية مع عدم مقدرة الحكومات العراقية المتعاقبة على استغلال الوفرة المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، مع تنامي حجم الفساد المالي وغياب الرادع القانوني للحد من ظاهرة التلاعب بالمال العام.
كل تلك العوامل مجتمعة مع عوامل أخرى لا يسعنا الحديث عنها بالتفصيل، أدت إلى إرباك الاقتصاد العراقي وبلوغه أعتاب أزمة اقتصادية غير مسبوقة قد تعصف باقتصاد البلاد إلى مستويات خطيرة، وبما أن الحكومة تقف أمام التزامات لا يمكن التراجع عنها كرواتب ورعاية اجتماعية ونفقات أمنية وغيرها من الالتزامات الأخرى التي لا يمكن المساس بها، لذلك تضطر الحكومة إلى الاقتراض الداخلي أو الخارجي لسد العجز الحاصل في الميزانية، وهذا ما يعده المختصون من أخطر ما يواجه العراق من تحدٍ على المستوى الاقتصادي والسياسي، ويعتبره البعض خياراً ذا كلفة سياسية واقتصادية عالية تضر بسيادة وأمن البلد.
وعلى الرغم من أن العراق يعد واحداً من أغنى دول العالم بالموارد الاقتصادية ويحتل مرتبة متقدمة في النمو الاقتصادي، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة؛ فأصبح من الواضح أمام الجميع أن العراق يمر بأزمة مالية خانقة بدأت معالمها بالظهور بصورة واضحة في العام الماضي، وتفاقمت في مطلع العام الحالي من خلال تأخر صرف الرواتب الشهرية عن مواعيدها المعتادة، بسبب سوء إدارة الملف الاقتصادي والأخطاء المتراكمة وترحيل الأزمات بدلاً من تفكيكها أو محاولة حلها وفق الطرق والأساليب العلمية الحديثة.
استمرار تلك الأزمات لأكثر من عقدين من الزمن أوصل الاقتصاد العراقي إلى حافة الانهيار، وإذا حاولنا أن نشخص أسباب الأزمة لابد لنا من الإشارة إلى الجوانب السياسية أولاً، ودور المحاصصة السياسية السلبي في إدارة الدولة وتعميق الأزمة المالية والاقتصادية بل وحتى السياسية طيلة الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق عام 2003، وذلك بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة والتقاطعات الحادة في وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين حول مختلف المواضيع المتعلقة في إدارة شؤون البلاد، فمن غير الممكن الحديث عن علاج أزمة اقتصادية ما لم يتم علاج الانسدادات السياسية المستمرة التي ألقت بظلالها على مجمل العملية السياسية وأداء الحكومات المتعاقبة طيلة الفترة المنصرمة.
ومع تلك المعطيات الخطيرة، ينبغي على القوى السياسية الإسراع في تشكيل الحكومة والتصدي لتلك المخاطر بأسلوب جديد وغير تقليدي في إدارة الدولة، وأن تضع في حساباتها فرض واقع سياسي مغاير ينسجم وحجم التحديات الراهنة، وإلزام الكتل السياسية الأخرى بالتخلي عن مبدأ المحاصصة، ومنح الحكومة القادمة صلاحيات كاملة وفرصة حقيقية في إجراء إصلاحات اقتصادية بالاعتماد على كفاءات متخصصة في الإدارة والاقتصاد والاستعانة بالخبرات الدولية، من أجل إيقاف نزيف العجز المالي والنقدي في البلاد.
ويبقى أمامنا أن نتساءل: هل تمتلك القوى السياسية الوقت والمبادرة إلى تصحيح المسار الاقتصادي، أم الأزمة المالية ستسبق الحكومة، وبالتالي تفرض واقعاً اقتصادياً آخر لم يكن ضمن الحسابات المتاحة؟.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



