مقالات
أخر الأخبار

التأخر في انتخاب الرئاسات.. أزمة نص أم إرادة؟

كتب حيدر جاسب عريبي البهادلي: ليست المشكلة في العراق أن الانتخابات تُجرى، بل أن ما بعدها يتحول إلى فراغ سياسي مقلق، فكل دورة انتخابية تكاد تبدأ بسؤال واحد: متى يُنتخب رئيس الجمهورية؟ ومتى تُشكل الحكومة؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الواقع يكشف خللاً عميقاً بين النص الدستوري والممارسة السياسية.

 

الدستور رسم توقيتات واضحة لا لبس فيها، فالمادة (72/ثانياً/ب) تنص على استمرار رئيس الجمهورية في ممارسة مهامه إلى حين انتخاب رئيس جديد.

والمادة (70/أولاً) أوجبت انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه، أما المادة (76/أولاً) فألزمت رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال (15) يوماً من تاريخ انتخابه، على أن يقدم المكلف تشكيلته الوزارية خلال (30) يوماً وفق المادة (76/ثالثاً).

هذه التوقيتات لم توضع للزينة الدستورية، بل لضمان انتقال منظم للسلطة ومنع الانسداد السياسي.

غير أن الواقع أثبت أن المدد الدستورية في العراق أقرب إلى التوصيات منها إلى الالتزامات الملزمة، لأنها لا تقترن بجزاء صريح عند تجاوزها، وهنا مكمن الخلل: نصوص آمرة بلا أدوات إنفاذ.

اشتراط أغلبية الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، وفق المادة (70)، جعل المنصب رهينة التوافقات الكبرى، ومع تفسير المحكمة الاتحادية العليا الذي أكد ضرورة تحقق نصاب الثلثين لانعقاد جلسة الانتخاب، تحولت الجلسة إلى ساحة تعطيل سياسي بمجرد غياب كتلة أو تحالف، وهكذا، أصبح الامتناع عن الحضور أداة ضغط دستورية فعالة، وإن كانت تفرغ النص من غايته.

الأخطر من ذلك أن استمرار التأخر يفضي إلى بقاء الحكومة في إطار “تصريف الأعمال اليومية”، صحيح أن هذا المفهوم يضمن استمرارية المرافق العامة، لكنه في جوهره وضع استثنائي مؤقت، لا يصلح ليكون قاعدة حكم طويلة الأمد.

حكومة تصريف الأعمال تفتقر إلى الصلاحيات السياسية الكاملة، ولا تملك الجرأة أو المشروعية لاتخاذ قرارات استراتيجية أو إطلاق برامج إصلاحية بعيدة المدى.

ومن الناحية العملية، يترتب على إطالة أمد تصريف الأعمال جملة من السلبيات:

أولاً: تعطيل التشريع والإصلاح، فغياب حكومة كاملة الصلاحيات يضعف التنسيق مع مجلس النواب ويؤجل مشاريع القوانين الحيوية.

ثانياً: شلل القرار الاقتصادي، القرارات الكبرى في مجالات الاستثمار والطاقة والمشاريع الاستراتيجية غالباً ما تُرحّل بحجة محدودية الصلاحيات.

ثالثاً: اهتزاز الثقة العامة، المواطن الذي صوّت لتغيير سياسي يجد نفسه أمام مشهد مراوح مكانه، فتتآكل الثقة بالعملية الديمقراطية برمتها.

رابعاً: توسع التفسير الإداري للصلاحيات، إذ قد تضطر حكومة تصريف الأعمال إلى اتخاذ قرارات تتجاوز الإطار الضيق لمفهوم “الأعمال اليومية”، ما يفتح الباب أمام جدل قانوني وطعون دستورية لاحقة.

إن المشكلة، بوضوح، ليست في غموض النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية لاحترام سقوفها الزمنية.

فالدستور، عندما حدد (15) يوماً للتكليف و(30) يوماً لتشكيل الوزارة، كان يفترض وجود ثقافة دستورية تعتبر المدة التزاماً لا خياراً، لكن ما يحدث هو أن الكتل السياسية تتعامل مع هذه المدد بوصفها قابلة للتمديد الواقعي ما دام لا يوجد جزاء مباشر.

قد يكون من الضروري التفكير مستقبلاً في معالجة دستورية تضع آلية احتياطية تمنع تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، كإعادة التصويت بالأغلبية المطلقة بعد جولات محددة، أو اعتبار الجلسة منعقدة بأغلبية معينة في حال تكرر الفشل، فالدساتير لا تُصاغ فقط لضمان التمثيل، بل أيضاً لمنع الشلل.

إن الإصرار على إبقاء آليات التعطيل دون معالجة سيؤدي إلى ترسيخ نمط سياسي خطير: انتخابات دورية، يعقبها فراغ تفاوضي طويل، ثم تسوية متأخرة تستهلك جزءاً كبيراً من عمر الدورة البرلمانية، وهكذا تتحول السنوات الأربع إلى ثلاث سنوات فعلية أو أقل من الحكم الفعّال.

الديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بمدى احترام النتائج ضمن الإطار الزمني الذي حدده الدستور، وكل تأخير غير مبرر هو في جوهره، انتقاص من مبدأ سيادة الدستور الذي نصت عليه المادة (5)، والتي أكدت أن الشعب مصدر السلطات وأن ممارستها تكون عبر المؤسسات الدستورية.

فهل نحتاج إلى تعديل دستوري؟ ربما، لكن قبل ذلك، نحتاج إلى التزام سياسي صادق بأن التوقيتات الدستورية ليست مجالاً للمساومة، فالدستور لا يُعطَّل بالصدام، بل يُعطَّل بالتسويف، والتسويف، في دولة تبحث عن الاستقرار، ترفٌ لا تملكه.

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى