اخبار اسلامية
أخر الأخبار

منتدى شيخ الخطباء يقيم ندوة فكرية بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الجواد (ع)

أقام منتدى شيخ الخطباء، أمس الأحد، ندوة فكرية بمناسبة استشهاد الإمام الجواد (ع)، حاضر فيها الباحث الشيخ عادل الساعدي، وكانت بعنوان: القيادة الإسلامية وتحديات الواقع، الإمام الجواد (ع) أنموذجاً، وذلك برعاية مكتبُ سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي في بغداد/الرصافة.

 

وقال الشيخ الساعدي، خلال الندوة، تابعتها “النعيم نيوز”. إن “الإمام الجواد (عليه السلام) واجه أثناء تصديه في الساحة الإسلامية وقيادة الأمة، مشكلتين أساسيتين تنبعان من أصلٍ واحد:

فأما الأصل هو ضعف وقصور العقل الإسلامي.

وأما المشكلتان اللتان تنبعان من هذا الأصل هما:

الأولى: ضعف الاستجابة وانعدام الإيمان بالقيادة الشابة.

الثانية: ظاهرة الغلو في العقلية الإسلامية وتحدياتها.

عــرض البحث:

فأما الأصل الذي نشأت منه هاتان الظاهرتان، وهو ضعف وقصور العقل الإسلامي.

فلا نقصد به القصور الفلسفي، فالجميع يشهد بأن المسلمين وخصوصاً في العهد العباسي طوروا الفلسفة ورفعوا من قيمتها وزادوا على مسائلها المعهودة التي تَبَانَى على عددها اجيال وشعوب امتدت إلى قرون، فلا أشكال في مقولاتهم ولا قصور في طابعها التجريدي والتنظيري.

ولكن الذي أقصده من ضعف أو قصور العقل الإسلامي هو العقلية العملية لدى المسلمين، ولا يمكنه أن يؤمن تطبيقاً بكثير مما يؤمن به تنظيرياً، يقف عند مقولة العلم، ولا يتخطاها إلى مقولة العمل، لأن العقل العملي محكومٌ بعدةِ عوامل، منها:

الأعراف الاجتماعية المتبانى عليها جيلاً بعد جيل، بحيث أخذت من القداسة ملا يجرؤ معها العقل مخالفتها.

ضعف الثقة بالنفس وبالعقلية الإسلامية على قدرتها معرفة الثوابت دون التأثر الجمعي والسلوكي للمجتمع، بعدم مخالفة الرموز التي يتبعها، فتجده دائماً يتبنى آراء غيره معتمداً على رمزية الغير.

المزاجية الحادة لدى المسلم وبالذات العربي، فمتبنياته تنبع من الحالة النفسية والمزاجية الشخصية، أكثر مما هي منحوتات عقلية تجردية للقضايا التي يعيشها.

بهذه العقلية المهزوزة المحجمة بهذه المحددات، هي التي انتجت مأسورية العقل الإسلامي ـ العملي ـ وبدورها نتج عنها عدة مشاكل وظواهر منحرفة اجتماعياً لا تتناسب والنهوض العلمي والسلوكي للإسلام.

لهذا واجه الإمام الجواد (عليه السلام) عدة مشاكل ومظاهر ولا يمكننا أن نستعرضها جميعاً ببحث هذه الوريقات، وهذه الدقائق المعدودة، لذا سنسلط الضوء على أهم ظاهرتين، أبانا ضعف وقصور العقل الإسلامي في التخلص منهما وتخطي حواجزهما:

الظاهرة الأولى: ضعف الاستجابة وانعدام الإيمان بالقيادة الشابة.

تعد هذه الظاهرة من الظواهر البشرية ولربما بصورةٍ مطلقة، ولكن في العقلية البدوية وفي الجزيرة العربية، تبدو أكثر وضوحاً وتجلياتها أكبر في مناهضة هذا التصور العقلي والتقييس القاصر لدى المسلمي، ومما يجسد هذا المعنى ما يمكن أن نستشهد به من الآيات الكريمة، منها على سبيل المثال:

ـ قال تبارك وتعالى { وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا } ( الأحزاب – ٦٧ ).

ـ قوله تبارك وتعالى { وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } (الزخرف – ٣١)

ـ وفي إبراهيم واستهجان عمره وتصديه ، جاء في الذكر الحكيم { قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ } ( الأنبياء – ٦٠).

وبعد ظهور الإسلام والتراقي النوعي الذي احدثه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الشخصية الإسلامية، ظلت العقلية الإسلامية تواجه انعدام الثقة بالقيادة الشابة وقدرتها على التحرك وإثبات الوجود في الوسط الاجتماعي بمختلف أوساطه وأفكاره ومزاجاته النفسية المتلونة. وخير مثالين:

المثال الأول: في القيادة العسكرية، وهذا تجلى واضحاً في عدم امتثال كبار الصحابة وشيوخ الإسلام لقيادة أسامة بن زيد والانضمام تحت لواءه، فكانوا لا يرون أهلية زيد خبروياً في قيادة المسلمين، وكيف تنطوي الخبرة التراكمية العمرية مع القيادة العسكرية الشابة.

المثال الثاني: القيادة السياسية والإدارية للأمة، وكان بطل هذه الأزمة في المواجهة الإمام علي (عليه السلام) حيث استفاد بعض المناهضين لقيادة الإمام لأسباب نبتعد عن ذكرها الآن، استفاد هؤلاء من قصور العقلية الإسلامية والعربية وإيمانها بقدرة القيادة الشابة، لذلك أحالوا من دون وصوله لمقام حاكمية الأمة، من خلال استخدام سلاح ضعف العقلية الاسلامية والعربية، لدرجة الاقصاء السياسي والإداري التام، وحصل هذا بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) وفي صدر عهد الخلافة الأولى.

ولا تقف هذه القصورية عند خارج مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بل حتى أبناء هذه المدرسة برغم التغذية التي غذاها لهم قيادة البيت النبوي معتمدين على مضامين القرآن وشواهده في ابراهيم وعيسى ويحيى، وما أسست له روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) من أن القيادة سمات شخصية وقدرات عقلية ونفحةٌ ربانية، لا دخل لها بالمراحل العمرية، ومثال هذه المشكلة التي واجهها أتباع أهل البيت في الإمام الجواد عليه السلام، نأخذ مثالين مهمين يوضحان ما ذكرناه:

الأول : في عهد أبيه الإمام الرضا عليه السلام ، فلم تنفع التطمينات المعصومية وتوجيهات الأمام الرضا ، بقيادة الإمام الجواد من بعده حتى ولو كان صغيراً ، حيث بقيت غالبةً على عقلية أتباع أهل البيت الموروثاتُ الاجتماعية وغيرِها مما ذكرناه من مقيدات العقل الاسلامي ، روي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن صفوان بن يحيى قال : قلت للرضا (عليه السلام ) : قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول : يهب الله لي غلاماً فقد وهبه الله لك فأقرّ عيوننا فلا أرانا الله يومك فإن كان كونٌ فإلى من ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام ) وهو قائم بين يديه فقلت له : جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ؟! قال : وما يضرّه من ذلك قد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقلّ من ثلاث سنين . وفي روايةٍ أخرى ، روى الحسين بن محمد عن الخيراني عن أبيه قال : كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن (عليه السلام ) بخراسان فقال له قائلٌ : يا سيّدي إن كان كون فإلى من ؟ قال : إلى أبي جعفر ابني.

فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر فقال أبو الحسن (عليه السلام ) : إنّ الله بعث عيسى بن مريم رسولاً نبيّاً صاحب شريعة مبتدأه في أصغر من السنّ الذي هو فيه .

وأما الثاني: ما واجهه الإمام الجواد ( عليه السلام ) بعد رحيل أبيه الإمام الرضا الذي اتسعت قواعده الجماهيرية بسبب الائتلاف الحكومي بين السلطة ممثلةً بالمأمون العباسي من جهة، وبين المعارضة السياسية العقائدية الشيعية والتي مثلها الإمام الرضا عليه السلام وكان من نتاجها ولاية العهد المزعومة، وكانت أهم ثمراتها التي أرادها الإمام عليه السلام أن تأمن الشيعة من ملاحقات السلطة وأن تعيد تلك القواعد حركتها ونشاطاتها الدينية المجتمعية، وبفضل هذا الاتفاق الصوري استطاع الامام أن يوسع من قواعده الجماهيرية ويشكل حركةً اجتماعية واسعة النطاق أدرك بعد ذلك المأمون فداحةَ خطأه، والمثال الذي قصدناه، ما أورده السيد المرتضى (رضي الله عنه) في عيون المعجزات أنه قال: لما قبض الرضا (ع) كان سن أبي جعفر (ع) نحو سبع سنين فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار واجتمع الريان بن الصلت وصفوان بن يحيى ومحمد بن حكيم وعبد الرحمن بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمن وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلول يبكون ويتوجعون من المصيبة فقال لهم يونس بن عبد الرحمن دعوا البكاء من هذا الامر والى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا يعني أبا جعفر (ع) فقام إليه الريان بن الصلت ووضع يده في حلقه ولم يزل يلطمه ويقول أنت تظهر الايمان لنا وتبطن الشك والشرك إن كان أمره من الله فلو انه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه وإن لم يكن من عند الله فلو عمر ألف سنة فهو واحد من الناس هذا مما ينبغي ان يفكر فيه فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه وكان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلاً فخرجوا إلى الحج وقصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر (ع) فلما وافوا اتوا دار أبي جعفر الصادق لأنها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير وخرج إليهم عبد الرحمن بن موسى فجلس وقام مناد وقال هذا ابن رسول الله فمن أراد السؤال فليسأله فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيرهم وغمهم واضطربت الفقهاء وقاموا وهموا بالانصراف وقالوا في أنفسهم لو كان أبو جعفر (ع) يكمل جواب المسائل لما كان من عبد الله ما كان ومن الجواب بغير الواجب ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفق وقال هذا أبو جعفر فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلموا عليه فدخل (ع) وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وامسك الناس كلهم فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائله فأجاب عنها بالحق ففرحوا ودعوا له واثنوا عليه وقالوا له ان عمك عبد الله أفتى بكيت وكيت فقال لا إله إلا الله يا عم انه عظيم عند الله ان تقف غدا بين يديه فيقول لك لم تفتى عبادي بما لم تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك.

وهذا الحديث يبين أن العمر لا دخله بقيادة الأمة مالم يكن هناك تسديد رباني وتأييد سماوي .

الظاهرة الثانية : ظاهرة الغلو في العقلية الإسلامية وتحدياتها .

أما الظاهرة الثانية التي واجهها الإمام الجواد (عليه السلام) وكانت لها تحديات وآثار سلبية تبدأ من انحراف العقلية الاسلامية وتشخص الواقع ومعرفته بالشكلٍ الصحيح، لتنتهي بعد ذلك عند سلوكياتٍ مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، بعيدةً عن الإسلام أيما بعد ، أقرب منها التي حاربها الإسلام من أول ظهوره، وأخذت تحرف مسار الأمة عما خطه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وللأسف كانت هذه الظاهرة عند المسلمين حتى في اتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فلم يفرق البعض بين التقديس والتأليه، ولنأخذ نموذجين من المدرستين الإسلاميتين الكبيرتين ذات التأثير في حياة الأمة :

أولاً : أتباع مدرسة الصحابة

والتي عليها مذهب العامة ، حيث حظيت هذه المدرسة بتقديس رموزها إلى حد الخلط بين القداسة والنبوة إن لم تذهب حد التأليه ، وكان هذا التقديس مانعاً لكل من أراد أن يضع الصحابة وسلوكياتهم على طاولة البحث والتحليل والنقد والانتقاد ، وصل بالمنع حد تكفير من يذهب لهذا الاتجاه . ‏وقد رأى الإمام أن هذه الأفكار والظواهر الدخيلة على الإسلام تحرف اتجاهات الأمة بعيدا عما جاء به النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما خطه الإسلام من عقائد وسلوك للأمة ، فإن مجرد التفكير والاعتقاد الفردي قد لا يتضرر الآخرون منه ، لكن الامام الجواد رأى شيوع هذه الأفكار والعقائد اجتماعياً تؤدي إلى مضاعفات وانعكاسات لها أثرها في المجتمع .

فقد روي أن يحيى بن أكثم : ما تقول يا بن رسول الله في الخبر الذي روي : أنّه نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : يا محمد ! إنّ الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ويقول لك : سل أبا بكر هل هو عنّي راضٍ فإنّي عنه راض.

فقال أبو جعفر عليه السلام : لست بمنكر فضل أبي بكر ، ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع : قد كثرت عليَّ الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله عزّ وجلّ وسنتي ، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به ، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به ، وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله ، قال الله تعالى : ( وَلَقَد خَلَقْنَا الاِنسانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بهِ نَفْسُهُ وَنَحنُ أقرَبُ إلَيهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ ) (۳) فالله عزّ وجلّ خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سرّه ؟ هذا مستحيل في العقول ! ثمّ قال يحيى بن أكثم : وقد روي : أنّ مثل أبي بكر وعمر في الاَرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء .

فقال عليه السلام : وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه ، لاَنّ جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قطّ ، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة ، وهما قد أشركا بالله عزّ وجلّ وإن أسلما بعد الشرك ، فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبّههما بهما.

قال يحيى : وقد روي أيضاً : أنهما سيدا كهول أهل الجنة ، فما تقول فيه ؟

فقال عليه السلام : وهذا الخبر محال أيضاً ، لاَنّ أهل الجنة كلّهم يكونون شباناً ولا يكونُ فيهم كهل ، وهذا الخبر وضعه بنو أُمية لمضادة الخبر الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين عليهما السلام بأنّهما سيدا شباب أهل الجنّة.… والمحاورة طويلة اقتطعنا بعضها للاستشهاد .

هذه الردود من قبل الامام الجواد (ع) لا يريد منها أن يبين فقط علميته وأهميته ، بل أهمية علاج المجتمع من داء التأليه والتقديس الخارج عن الحدود و ومحاولة استخراج العقل من دائرة التقديس المطلق إلى دائرة التوازن والاعتدال .

ثانياً : اتباع مدرسة أهل البيت (ع)

وهذه المدرسة رغم احاطة أهل البيت لها ورعايتها من أجل صيانة عقائدها وعقليتها من أي انحراف عن دائرة الاعتدال ، إلا أنها ذهبت مدارج المدارس الأخرى ، فقد دخلها الغلو ، وكانت الأمثلة كثيرة التي سبقت الامام الجواد والتي اصبحت منها مدارس متعددة ، منها الكيسانية التي جعلت من محمد بن الحنفية (رض) الامام المهدي ، وكذلك الاسماعيلية ، والواقفة على جده الامام الكاظم (عليهم السلام) وغيرها من الحركات الأخرى ، وكانت لها اسبابٌ متنوعة ومختلفة ، تبعاً لشخصيات مدعيها أو الظروف التي نشأت فيها ، كما لا تخلو السلطة الحاكمة من اليد الطولى تشتيت هذه المدرسة واضعافها . ومن الأمثلة التي يمكن سَوُقَها على هذا الغلو وسعي الإمام لمكافحته في اتباع مدرسته ، مثالان :

المثال الأول : القرينة الحالية

ما رواه الحسين بن محمد الأشعري قال: حدثني شيخ من أصحابنا يقال له عبدالله بن رزين قال: كنت مجاوراً بالمدينة، مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان أبو جعفر (عليه السلام) يجيء في كل يوم مع الزوال إلى المسجد فينزل إلى الصخرة ويمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه، ويرجع إلى بيت فاطمة ويخلع نعله فيقوم فيصلي، فوسوس إليَّ الشيطان فقال: إذا نزل فاذهب حتى تأخذ من التراب الذي يطأ عليه فجلست في ذلك اليوم أنتظره لأفعل هذا.

فلما أن كان في وقت الزوال أقبل (عليه السلام) على حمار له، فلم ينزل في الموضع الذي كان ينزل فيه، فجازه حتى نزل على الصخرة التي كانت على باب المسجد، ثم دخل فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم رجع إلى مكانه الذي كان يصلي فيه، ففعل ذلك أياماً.

فقلت: إذا خلع نعليه جئت فأخذت الحصا الذي يطأ عليه بقدميه.

فلما كان من الغد، جاء عند الزوال فنزل على الصخرة، ثم دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجاء إلى الموضع الذي كان يصلي فيه ولم يخلعهما، ففعل ذلك أياماً.
فقلت في نفسي: لم يتهيأ لي ههنا ولكن أذهب إلى الحمام، فإذا دخل الحمام آخذ من التراب الذي يطأ عليه.
فلما دخل (عليه السلام) الحمام، دخل في المسلخ بالحمار، ونزل على الحصير، فقلت للحمامي في ذلك فقال: والله ما فعل هذا قط إلا في هذا اليوم فانتظرته، فلما خرج دعا بالحمار فأُدخل المسلخ، وركبه فوق الحصير وخرج، فقلت: والله آذيته ولا أعود أروم ما رمت منه أبداً، فلما كان وقت الزوال نزل في الموضع الذي كان ينزل فيه، قام يصلي .

المثال الثاني : القرينة المقالية

ما رواه إسحاق الأنباري، قال أبو جعفر الثاني (عليه السلام):
«ما فعل أبو السمهري (لعنه الله) يكذب علينا، ويزعم أنه وابن أبي الزرقاء دعاة إلينا، أشهدكم أني أتبرأ إلى الله جل جلاله منهما، أنهما فتانان يفتنان الناس»

ما هي أسباب الغلو ؟

ينشأ الغلو الذي كافحه أهل البيت في الساحة الاسلامية يتأتى من أسباب أهمها :

1- الجهل ، وعادةً كل العقائد الفاسدة تنشأ في بيئة الجهل ، حيث يبتدع الناس فيه البدع وتلصق بالدين .

2- الشعور بالدونية مما يدفع بالانسان إلى إيجاد رموز ينتمي لها فينحلها الكمال المطلق ، ليأخذ من انتمائه لها كمالاً زائفاً.

3- عدم الثقة بما يعتقده أو ينتمي له ، فيعادل حالة الضغط النفسي ، بالارتياح لأنه ينتمي إلى المقدسين .

4- إيجاد المعادل الموضوعي ، حينما ترى مدرسةٌ ما مدرسةً مناوئةً لها تمتلك من القدرة لرموزها ، فتعمل على ايجاد المعادل الموضوعي لها لإثبات أفرادها وانحالهم اعتقاداً أنها لا تختلف عن الآخرين من حيث القداسة .

5- إشاعتها من قبل الحاكم الديني أو السياسي وملأهِما وحاشيتهما ، من أجل غلق باب الاجتهاد والتفكير أو حتى نقد الافكار والتصرفات الصادرة من قيادتها العليا ، وغلق باب الاجتهاد ليس المقصود به فقهياً فقط ، بل سد الباب أمام العقل وحجره واتباع القائد الديني أو الحاكم السياسي ورضا التابع بكل ما يصدر على أنه حق موافق لقول الباري .

6- في بعض الأحيان تنشأ المغالاة حتى بالذات بسبب الاضطهاد والقمع والظلم ، فتنشأ الحاجة إلى معادلة هذا الشعور النفسي ، وقد مرَّ التشيع على طول امتداد الزمن بمثل هذه الحالات ، واخذ يوجد مقامات سامية حتى للمرجعية ، فقد بدأت المرجعية الدينية بلفظ الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ، وبعد ذلك بدأت تأخذ منحنيات علمية كالمحقق الحلي والعلامة الحلي ـ وهي بذاتها شيئاً من صيغ المبالغة ـ حتى وصلت للمقامات ذات الصبغة التقديسية كلقب آية الله ، وارتقى إلى آية الله العظمى ، والإمام الأعظم والمعظم ، وكلها من صيغ المبالغة ، والتي لا تعدو عن المغالاة في الشيء ، قد لا يعد محظوراً في بعضها لما تسالم عليه في ألقاب المقامات الدينية ومنها الحبر الأعظم والكاهن الأعظم ، وقدس الاقداس ، وحتى انجر إلى أسماء مؤسساتية ، كالمرجعية العليا ، والمرجع الأعلى ، والمجلس الأعلى .
تشعرك مدى الضغط النفسي الذي تعرضت لها أو التشويه الذي واجهته أو شعورها بمدى الأحقية والحقانية لها ، وبعض استغلها لتدجين العقول واستسلامها إذ ما قارنت نفسها بكل سلوكياتها غير المنضبطة أمام هذه القداسة العالية ، يقبل كل سلوك منها ، أو حتى لايناقش مدى صحتها وانطباقها للمطلوب .

الإمام الجواد عليه السلام سعى لتحرير العقول ، من الشعور بالدونية والانغلاق والمبالغة في التقديس ، فالاحترام واجب والركون لمقام القيادة الدينية صحيح ، إلا أنه يجب أن لا يصل لحد اعدام العقول أو تتجينها .

أخيراً ، خلاصة المراد

لا بد لكل بحثٍ منتهى ، وكل مرادٍ مآل ، وما أريده من هذه الوريقات التي لا تفي الموضوع المبحوث حقاً ولا تفي مقاماتكم وترك اشغالكم سماعها ، سوى كِبرَ تواضعكم وسعة صدركم ، فإننا نخلص لنتيجة مفادها :

أولاً : القيادة الدينية ليست مراحل عمرية .
ولا ننكر قيمة التجارب العملية وأهميتها فيما لو طال بها العمر ، وإنما القيادة الدينية وغيرها لا تخلو من الصفات الكاملة التي تنبع من الارتباط بالله تبارك وتعالى وينحلها كهبةٍ ربانية مع توافر خصائص العلم والمقام العالي في الافتاء ، كما نبه السيد الشهيد لمعنى الاجتهاد ، وأشار إلى أن هناك نوعين من الاجتهاد ، أحدهما ورقي يشابه أصول البحث الاكاديمي نوعاً ما ، والآخر الاجتهاد النابعي بمعنى ينبع من داخلك فيضاً من الله وتعالى ولا دخل له بسعة الاطلاع ، وإنما ملكة ربانية .

ثانياً : القيادة الدينية تحتاج الى الارتباط الروحي كطاقة حركية .

القيادة الحقة التي تواجه متطلبات الساحة الاسلامية لا تحتاج إلى الغلو في ذاتها وانحالها صفاتٍ وأسماءَ غيبةٍ والتشبيهات بذواتٍ جاءت بها روايات أئمة الحق كاليماني والخراساني والنفس الزكية ، أو سفير الإمام ، أو صاحب المقام الأعلى ، أو أنه الإمام بنفسه ، أو النبي عيسى ، وغيرها ، ومن تعكّز على هذه الألقاب والصفات المقدسة إنما يدل على خوائه وفشل مشروعه ، يعتاش على جهل الناس وتسطيح وعيهم والاستفادة من عاطفتهم وطاقاتهم الجسدية ، بل أن القيادة الحقة تسعى إلى إيجاد علاقة الارتباط الروحي مع جماهيرها والشعور بمسؤوليتها تجاه من تنتمي إليه وما تتبناه من مشروع ، هذه العلاقة كفيلة بنجاح المشاريع التي تتبناها القيادة الدينية ، وهذا يعتمد على وعي الناس سواء القيادة الوسطى أي الحلقة الرابطة بين الجماهير وقيادتها بشكل خاص ، وشعور عام نحو المسؤولية من قبل جماهيرها التي تنتمي لمدرستها .

كما أن القيادة الدينية تدرك حجم التحديات التي يعيشها العالم والعالم الاسلامي ، والعراق بشكلٍ خاص كونها قاعدة الامام المهدي (عليه السلام) وعاصمته العالمية ، فالعمل الجماهيري يكون مضاعفاً لأنه لا يتعلق بالمرجعية ، بل يتعلق بالامام المهدي(عج) ، كما أن أعداءه وأدعياءه لا يألون جهداً وعملهم على قدمٍ وساق في مشروعهم الساعي لحرف الشعوب عن الارتباط بالله
وليس أمانا سوى خياراتٍ ثلاث لا ربع لهم :

أولاً : الايمان بأعدائه وأدعيائه وادعياء حركته فتضل الناس وتبعدهم عن الطريق الحق وعليك وزرك ووزر من عمل بمنهاجك

ثانياً : الإيمان بمشروع الامام والمرجعية من أجل تخفيف انقاذ الناس ولك أجر عملك ومن عمل معك .

ثالثاً : الانزواء، وإنك قد لا ترى أنك نصرت الباطل ، لكن حتماً أنك خذلت الحق ، وعليك وزر الخذلان ومن قلدك بهذا الخذلان”.

 

 

 

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرامالنعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التاليالنعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا علىقناة النعيم الفضائية

لا تنسى الاشتراك بقناتنا على الانستاغرامالنعيم نيوز

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى