مقالات
أخر الأخبار

مخاطر الحصار الأمريكي على دول المنطقة.. هل نجحت أمريكا في سياستها ؟

بعد أن كان للحروب العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من الخسائر والصعوبات والخطورة على مصالحها أولا وعلى مصالح حلفائها ثانيا، قررت أن تستخدم بدائل وخيارات غير عسكرية أخرى كبديل عن القوة العسكرية الهجومية التي كانت تنتهجها في استراتيجيتها لتغيير الأنظمة والتدخل في الصراعات الداخلية وتدمير قدرة الدول التي تهدد سياساتها.

 

حيث نجح صناع السياسة في أمريكا بخلق خيارات جديدة لإرغام الدول المستهدفة ومعاقبة كل من يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، لتحقيق الأهداف الأمريكية بتكاليف وخطورة أقل.

هل استسلمت دول المنطقة للسياسة الأمريكية ؟

على الرغم من أن البعض في الادارات الأمريكية المتعاقبة يقرّ بأنّ ارغام الدول المستهدفة مثل إيران وسوريا واليمن وفصائل المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين، على الاستسلام للسياسات الأمريكية قد نجح الى حد ما، الا أنّ البعض الآخر يعترف بأن أدوات الارغام لا تزال عاجزة عن تحقيق الأهداف الأمريكية، بسبب صمود هذه القوى واعتمادها سياسة ردع فاعلة استطاعت أن تعطّل هذا الاستهداف الأمريكي في مراحل متعددة.
حيث لا تزال لبنان وسوريا تشكّل تحدّيا متعاظما لخيارات الولايات المتحدة العسكرية وغير العسكرية في منطقة حيوية واستراتيجية، وعلى الرغم مما سببته الحروب من دمار وتفكك وأزمات في هذه الدول وفي اليمن، فقد فشلت في اخضاعها وتعديل سلوكها حسب ما تريده أمريكا، أما بالنسبة لإيران وهي إحدى الدول المستهدفة أمريكياً، فقد تبدو متماسكة من الناحية السياسية، وتلعب دوراً رائداً في الإقليم، هذا بالإضافة الى امتلاكها لخيارات ارغام خاصة بها مثل قدراتها في المجال العسكري والالكتروني وعلاقاتها مع قوى محور المقاومة الفاعلة في المنطقة وكذلك علاقاتها مع القوى الدولية الصاعدة.

ماذا فعلت أمريكا في محاولة إخضاع دول المنطقة ؟

لبنان :

حاولت الولايات المتحدة الأمريكية إنشاء نخب وجماعات (داخل المنظومة السياسية) تديرها حكومات عاجزة، لا تمتلك مشاريع إصلاحية واضحة، وتعمل فقط على تطبيق التوجهات والسياسات التي تخدم المصالح الأمريكية.
فكانت استراتيجيتها فرض مشروع في الداخل اللبناني يقصي بقية الأطراف السياسية الفاعلة الرافضة للهيمنة الأمريكية ومشاريعها التدميرية وعلى رأسها حزب الله الذي نجح في ضرب حليف الولايات المتحدة في المنطقة “إسرائيل”، وكبح المشروع التكفيري ضمن جهود محور المقاومة، وكشف الزيف الأمريكي ومخططاته التي تهدف الى تدمير الكيان البنيوي والمؤسساتي للبنان، مما دفع أمريكا إلى فرض حصار اقتصادي على لبنان لتضييق الخناق على المقاومة في محاولة لقلب موازين القوى الداخلية.

سوريا :

كانت أولويات أمريكا هي رحيل الرئيس الأسد ووضع المتطلبات الأساسية لمرحلة ما بعد الصراع، بما في ذلك المحافظة على مؤسسات الدولة للسيطرة عليها وانشاء نخبة تابعة جاهزة للامتثال للأوامرها وتنفيذ مشاريعها الاستعمارية، وفتح المجال للاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها.
وكان فرض الولايات المتحدة لعقوبات على سوريا وفي هذه المرحلة بالذات، الهدف منه ليس فقط محاصرة الرئيس الأسد وفرض قيود على مشاريع إعادة الاعمار لما دمرته الة الحرب المدعومة أمريكيا، بقدر ما هو محاولة أمريكية لإقصاء كل المنافسين الإقليميين الآخرين وعلى رأسهم روسيا والصين إضافة الى اٍيران والانفراد بمحاصرة البلاد وفرض مشاريع التقسيم الطائفي والعرقي التي لن تخدم الا أمريكا وحليفها الكيان الصهيوني.

العراق:

عملت الادارات الأمريكية المتعاقبة على إرساء منظومة سياسية تابعة وموالية لها بعد شنها حرب عسكرية مدمرة على العراق ونشر الفوضى والفتنة التي أدت الى حرب أهلية، ويظهر جليّا أن الأمريكي وعلى الرغم من اعترافه بفشل سياسته العسكرية في العراق الا أنه لا يزال يعمل على التدخل في كل مفاصله لاسقاط أي مشروع مقاوم يرفض الوجود الأمريكي ويتصدى له في العراق والمنطقة.

اليمن:

تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الدخول على خط مرحلة ما بعد وقف الحرب لفرض مشروع التقسيم والتفتيت على اليمنيين وادارة الصراع الداخلي على النفوذ والسلطة، وذلك لفرض شروط وخيارات اعادة الإعمار وبناء الدولة وفقا للمصالح الأمريكية والضغط على حكومة صنعاء المستقلّة لحثها على التراجع وحرمان الشعب اليمني من الاحتفال بمفاعيل صموده وانتصاره بعد سنوات من العدوان.

السيطرة الأمريكية على المنظومة الاقتصادية لدول المنطقة

تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية لتوجيه الشركات والمؤسسات المالية والبنكية في لبنان، ومن خلال مجموعة من الخبراء لتكون طرفا مباشرا في المواجهة مع المقاومة المستهدفة علناً، فتٌحكم الحصار على الدولة والحكومة وتعطّل أي مبادرات وطنية لحل الأزمات العالقة سياسية كانت أو اقتصادية.
وتسعى أمريكا إلى استخدام المؤسسات المالية الدولية -كأدوات ضغط – لتقديم قروض بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات بشرط قيام المؤسسات التابعة للولايات المتحدة بتنفيذ تلك المشروعات. يعني ذلك، احتكار أمريكي لكل الإمكانات والموارد وعدم السماح لأي دولة اأو قوة إقليمية أخرى في المنطقة بتقديم العون أو الاستثمار في لبنان مثلا أو التدخل لفك الحصار على الشعب اليمني والمساهمة في إعادة اعمار البنى التحتية في اليمن، أو دعم غزة المحاصرة، أو مساعدة سوريا في مرحلة إعادة ترتيب الأوراق السياسية والاقتصادية بعد وقف الحرب.

ما هي العقوبات الاقتصادية وتأثيرها على دول المنطقة ؟

العقوبة هي أداة للسياسة الخارجية والضغط الاقتصادي، وتمتلك الولايات المتحدة أنواع مختلفة من العقوبات، والهدف العام لكل منها هو فرض تغيير في السلوك على الدولة أو الجهة المستهدفة. يمكن أن تتخذ العقوبات أشكالاً عديدة، ويمكن أن تمارس بعدة طرق.
ونجحت الولايات المتحدة الى حد ما في تأطير العديد من الاجراءات التعسفية لمحاصرة هذه الدول اقتصاديا وارهاقها من خلال تفعيل الحصار الشامل بتجميد أصول هذه الدول أو مصادرتها واصدار قوانين واتخاذ اجراءات تنفيذية (قانون سيزر) لتفعيل قيود مشددة تمنع الدول من التعامل مع سوريا ولبنان وايران مثلا، ومنع الشركات والمؤسسات من المشاركة في مشاريع اعادة الاعمار في سوريا، والهدف بكل تأكيد هو اسقاط الدولة وارغامها على الرضوخ للشروط الأمريكية، وعلى رأسها فك ارتباط سوريا بمحور المقاومة وايران.
وأيضا في اليمن لا يختلف الوضع كثيرا خصوصا وأن هذا البلد لا يزال يعاني من ويلات حرب عدوانية دفع ثمنها الشعب اليمني ولا يزال بسبب سياسات الحصار الأمريكي التي منعت عنه العلاج والدواء والغذاء لتكون أكبر كارثة انسانية عرفها التاريخ الحديث في سلسلة الحروب المدعومة أمريكياً.
وفي لبنان، تعمل الولايات المتحدة على ادارة حصار يستهدف الدولة والمقاومة، وتصنف هذه العقوبات الأمريكية بأنها أحادية الجانب وهي الأكثر خطورة لأنه تمّ سنّها من قبل قوة اقتصادية نافذة ومسيطرة في العالم، قادرة على الاستهداف ولديها الإمكانيات لتحقيق ذلك.

وتستغل الولايات المتحدة الامريكية العديد من الثغرات داخل الدول المستهدفة لاختراقها ومحاصرتها، وتتمثل هذه الثغرات في جملة من الازمات الناتجة عن الحروب الاهلية او الصراعات الاقليمية التي شهدتها هذه الدول ( لبنان، العراق، اليمن، سوريا)، والتي سهّلت الاختراق الامريكي الذي لعب على ورقة الحروب والصراعات لتنفيذ خططه، اضافة الى الاخلالات الاقتصادية والتي تتعلق بفشل البرامج الاقتصادية والمشاريع الانمائية وغياب التخطيط الفاعل بسبب بيروقراطية السلطة الحاكمة، وفسادها، وعدم شفافيتها ( لبنان)، اضافة الى الاخلالات الاجتماعية والمتمثلة في التفكك الاجتماعي وفشل السلطة الحاكمة في بلورة منظومة اجتماعية موحدة قائمة على عقد اجتماعي جامع لكل الاطياف والاخلالات السياسية المرتبطة بازمة الحكم والسلطة والنظام في هذه الدول (لبنان مثالا).
ولأن بعض الحكومات في دول المنطقة تعاني بالأساس من أزمات عديدة ومتنوعة، كانهيار القطاعات الحيوية القادرة على تغطية الثغرات الحاصلة كما في لبنان والعراق، إضافة الى تأخرها في مواجهة تحديات ما بعد وقف الحرب كما في سوريا واليمن، فإنّ تشديد الحصار عليها سيزيد من احتمالية تعرض البلد المستهدف لعبء اقتصادي كبير وأزمات طويلة. بالمبدأ، هذا هو الرهان الأمريكي.

الفشل الأمريكي في تحقيق أهداف الحصار

تثبت العقوبات الأحادية الجانب أنها اقل فاعلية من العقوبات المتعددة الأطراف، وأن معدل فاعليتها منخفض مقارنة بغيرها، وعليه، إذا تم فرض عقوبة من جانب واحد، يمكن للبلد المستهدف (سوريا، لبنان، اليمن…) استخدام طرف ثالث لكسر الحصار وفكّ الحظر المفروض، ويمكن الإشارة هنا الى الدور الروسي وكذلك الصيني في اختراق العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا ولبنان.
وفي كثير من الحالات، تسببت العقوبات في أضرار اقتصادية دون تغيير سياسات الدولة المستهدفة وأكبر دليل على ذلك فشل الإدارات الامريكية المتعاقبة في تغيير سلوك وتوجهات كل من الدولة في إيران وسوريا وفي لبنان واليمن.
والعقوبات في نهاية المطاف هي أدوات اكراهية يستخدمها صناع السياسة الخارجية الأمريكية، لأنها تفترض مسبقًا أن الضرر الاقتصادي سيؤدي إلى نوع من الضغط السياسي الذي سيفيد الولايات المتحدة.
وتجدر الإشارة كذلك الى الفشل الأمريكي في استمالة الرأي العام في هذه الدول المستهدفة على الرغم من امتلاكها لكل مقومات التأثير المباشر وغير المباشر سواء عن طريق الخطاب السياسي أو الاعلامي المنتشر في دول المنطقة والذي تعمل جهات كثيرة موالية للسياسات الأمريكية على نشره وتفعيله محليا، كفشل سياسة الضغط الأمريكية في تغيير سلوك إيران وحثها على الاستسلام للارادة الامريكية من خلال الاتفاق النووي، وفشلها أيضا في اخضاع ارادة المقاومة الاسلامية في لبنان ودفعها الى تليين مواقفها الحوارية على الرغم من كل المحاولات الامريكية لاستهداف بيئة المقاومة بكل الوسائل لضرب السلم الأهلي واتهام حزب الله بعرقلة المسار السياسي الحالي، وفرض شروط على السلطة اللبنانية تتمثل في المطالبة باقصاء حزب الله من المشهد السياسي ومحاصرته، وفشل سياسة الضغط الأمريكية في احتواء سوريا على الرغم من قساوة الحصار وتداعياته على المستوى الداخلي، كما في اليمن.

التصدّي للحصار الأمريكي

يستوجب التصدي للسياسات الأمريكية، العمل على تحصين البيئة الداخلية للدول المستهدفة، ومواجهة المحاولات الأمريكية منع توفير الموارد والإمكانات للقيام بها:
– معالجة الأزمات والمشاكل والاخلالات التي تعتبرها الولايات المتحدة منفذا للاختراق والتدخل المباشر وغير المباشر.
– اعادة بناء الدولة والنظام السياسي وتفعيل دور الحكومات بما يخدم مصالح الشعوب ويحفظ أمنها واستقرارها.
– مكافحة كل سبل الفساد والتعطيل الداخلي لمسار بناء المجتمع والاقتصاد.
– احتواء الأزمات الداخلية والمسار السياسي.
– تأطير الرأي العام وتوعيته من خلال كشف الزيف الأمريكي وسياساته الاستعمارية والتدميرية في المنطقة.

استخدام الدول المستهدفة لأدوات فاعلة من أجل مواجهة الحصار

– أدوات سياسية تتمثل في انشاء حكومات قادرة على ادارة الأزمات، وحماية سيادة الدولة واستقلالها، تتبنى خطط فاعلة للاصلاح ومكافحة الفساد الاداري والمالي.
– أدوات دبلوماسية أو ما يسمى بالدبلوماسية النشطة مع قوى دولية صاعدة بالتحالف والتعاون معها لكسر الحصار وافشال الخطط الأمريكية.
– أدوات اقتصادية من خلال تبني مناهج وخطط اقتصادية انقاذية هدفها حماية القطاعات الحيوية للدولة، كالعملة المحلية والمؤسسات المالية والبنكية، وتحسين المستوى المعيشي لاحتواء غضب الناس.
– ادوات اجتماعية: تجاوز الخلل الاجتماعي والطبقية ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة ومشاكل التفرقة العرقية والطائفية. والحرص على تأمين حياة المواطنين والتاسيس لسياسة ضمان اجماعي وصحي فعالة.
– أدوات أمنية واستخباراتية قادرة على رصد كل المحاولات الأمريكية لاختراق البيئة الداخلية من خلال بث الفوضى والاشاعات وتنفيذ الاغتيالات ضد جهات سياسية فاعلة في هذه الدول بهدف ضرب السلم الأهلي وزرع الفوضى والحروب والنزاعات الداخلية.
– أدوات اعلامية قادرة على كشف زيف وعود الادارات الأمريكية المتعاقبة وسياساتها الاستعمارية والتدميرية للرأي العام المحلي والاقليمي والدولي.
– أدوات ردع مختلفة في المجال العسكري والتكنولوجي والفضاء الالكتروني لتحصين البيئة الداخلية في الدول المستهدفة.

إعداد: مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرامالنعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى