اخبار اسلامية
أخر الأخبار

خطبتا جمعة جامع الصادقين بإمامة الشيخ حيدر السعدي

أقيمت صلاة الجمعة في جامع الصادقين بإمامة الشيخ الدكتور حيدر السعدي.

وكانت الخطبة الأولى، وتابعتها “النعيم نيوز”:

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد الله الذي بلغنا شهر رمضان وجعلنا من اهله، فان هذا الشهر هو شهر اللّٰه تعالى يقبل مع البركة والرحمة والمغفرة. ومن مغفرة اللّٰه في هذا الشهر: أن اللّٰه تعالى يعتق كل يوم عند الافطار ألف ألف عتيق من النار، وفي ليلة الجمعة ويومها يعتق في كل ساعة ألف ألف من النار كلهم قد استوجب النار. وفي رواية: لله تعالى في كل ليلة عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار، وفي آخر ليلة منه يعتق مثل ما أعتق في جميعه)).

عباد اللّٰه اوصيكم ونفسي اولا بتقوى اللّٰه ولزوم مخافته قد يسال الانسان نفسه كيف احافظ على انجازاتي في شهر رمضان ولا ادع مجالا للشيطان بان يتوغل الى نفسي ويضيع عليّ مكاسبي الثمينة، فاننا نرى كثيرا من الصائمين يهر عون الى ارتكاب المعاصي بمجرد انقضاء الشهر الفضيل، ويعودون كما كانوا قبله بل قد يصلون الى مستوى ادنى، فيُهجرون القران والعبادات ويتركون القربات والطاعات، وتكثر المعاصي والاثام، بل قد يحصل ذلك في اول ايام العيد، تلك الايام التي يفترض بها ان تكون ثمرة الشهر وايام ظهور نتائج الصوم واثاره، وهنا نريد ان نبين خطر الشيطان، ووسائل نفوذه الى النفس الانسانية، وطرق مقاومته والانتصار عليه.

قال تعالى: إيا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهما إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْتُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}

وهنا عدة أمور:

اولا: لقد كرّر القرآن الكريم التحذير الشديد من الافتتان بخدع الشيطان ومكره وإغرائه وخططه التي تخفى حتى على الفطن الحاذق، وغرضه من هذه الفتن اخراج الانسان من جنة طاعة اللّٰه تبارك وتعالى وسعادتها، وذلك بتجريده من التقوى والعفاف قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26].

ثانيا: اقترنت بعض هذه التحذيرات بشواهد من الوقائع والأحداث لتكون أبلغ في الحجة وأوضح في الوعظ والإرشاد، ومنها هذه الآية الكريمة التي أوردت حادثة غواية إبليس لآدم (عليه السلام) وزوجه، فبعد ان نجح الشيطان في اخراج ادم وزوجه من الجنة، لعنه اللّٰه تعالى وطرده من رحمته وانتقاماً لنفسه واستمراراً على استكباره وتمردّه، فقد أقسم أنه سيفعل كل ما يستطيع لغواية الانسان وصدّه عن طاعة اللّٰه تعالى، فقد بينت الايات الكريمة ان الشيطان الرجيم لا يألوا جهدا للوصول الى اغراضه ومساعيه في اغواء الانسان، فانه أقسم بالله تعالى على انه يريد الصالح والخير لادم عليه السلام، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] واستعمل أساليب الإغراء {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] فتوسل الشيطان بإثارة الميول الغريزية والقسم على الصدق، لاخراج آدم(عليه السلام) وزوجه من الجنة إلى الأرض ليكابد الشقاء والابتلاء، وهكذا من يستسلم لوساوس الشيطان فإنه كمن يتدلى في بئر عميقة ويتثبت بحبل ضعيف.

ايها المؤمنون اياكم ان تستسلموا لو عود إبليس وتسويلاته، فيخرجكم من جنة طاعة اللّٰه كما اخرج ابويكم من الجنة.
ثالثا: اذا نجح في اغوائكم وجعلكم ترتكبون الذنب، فلا تتهاونوا في التوبة والرجوع الى ساحة طاعة اللّٰه تعالى، فان آدم (عليه السلام) وزوجه بعد ان ادركا الخذلان الشيطاني الذي أصابهما اعترفا بخطأهما، وطلبا من اللّٰه تعالى بصدق العفو والمغفرة والرحمة {قَالاً رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23].

فاستجاب اللّٰه التواب الرحيم الشفيق دعاءهما ولم يخذلهما ويتركهما لنفسيهما، بل علّم آدم أسماءً يتوسل بها إلى اللّٰه تبارك وتعالى ليقبل توبته، ففعل بصدق وإخلاص وتوسل آدم لربه بتلك الأسماء العزيزة فتاب اللّه عليه.

رابعا: احبتي ان الآيات الكريمة لم تبين ما هي هذه الشجرة التي نهى اللّٰه تعالى وكان القتراب منها سببا للخروج من الجنة، ولكن قيل: إنها رمز ومظهر للدنيا كما كانت تظهر الدنيا للمعصومين (عليهم السلام) على صورة امرأة حسناء في الحوادث المرويّة عن النبي (صلى اللّٰه عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فالميل إليها والأكل منها من التعلق بالدنيا، الذي يوجب الشقاء والتعب والنكد.

خامسا: أن فتنة الشيطان عظيمة فلا بد أن يكون الحذر والترقب بمستواها، وأن قدراته على الإغواء والإضلال ضخمة، فهو من أول لحظة لممارسته تهديده بإغواء بني آدم كان يمتلك كل المعلومات عن طبيعة الإنسان وغرائزه وميوله وطرق إغوائه، قال تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] والعدو غير المرئي تكون مواجهته صعبة جداً مع امتِلاكه العدد والعدّة اللازمة لعمله، قال تعالى: {وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} [الإسراء: 64]

وفي الحديث الشريف (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) وقد نجح في إغراء أبينا آدم (عليه السلام) مع الإمكانيات العظيمة التي هيّأها اللّٰه تعالى له والتحذيرات الشديدة، فكيف بالناس اليوم وقد ازدادت خبرة إبليس وشياطينه وكثرت عدّتهم وعددهم وتعرفوا على مداخل الإنسان أكثر أعوذ بالله تعالى منه ومن شياطينه، لكن الذي يهوّن الخطب أنه ليس له سلطان إلا بالوسوسة وحديث النفس ولا يغتّر به إلا الذين دخلوا في ولايته ( {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }[الأعراف: 27]، أما المؤمنون فهم داخلونٍ في ولاية اللّهِ تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11].

أما الخطبة الثانية:

اللهم يا من يرحم من لا يرحمه العباد، ويا من يقبل من لا تقبله البلاد ويا من لا يحتقر أهل الحاجة إليه، ويا من لا يخيب الملحين عليه، ويا من يدنو إلى من دنا منه، ويا من يدعو إلى نفسه من أدبر عنه، ويا من لا يغير النعمة ولا يبادر بالنقمة، ويا من يثمر الحسنة حتى ينميها ويتجاوز عن السيئة حتى يعفيها، انصرفت الآمال دون مدى كرمك بالحاجات، وامتلأت بفيض جودك أوعية الطلبات، فلك العلو الأعلى فوق كل عال، والجلال الأمجد فوق كل جلال، كل جليل عندك صغير، وكل شريف في جنب شرفك حقير.اللهم صل على محمد وال محمد.

سادسا: ان النهي تعلق بالاقتراب من الشجرة وليس الاكل منها، وهذا يعني أن المطلوب ليس تجنب نفس المعصية فقط بل كل ما يؤدي إليها ويغري بها من المقدمات وإن كانت جائزة، ولا يخدع الإنسان نفسه بأنه بعيد عن المعصية وأنه يستطيع مسك زمام نفسه ولا يقع فيها، فإن الشيطان سيجرّه إليها بعد ذلك، كمن يزعم أن محادثته على (الخاص) مع امرأة أجنبية هو لتعليمها المسائل الشرعية، أو مباحثة الدروس العلمية في الجامعة، أو مناقشة شؤون العمل، ولا يلبث أن يجدا نفسيهما قد وقعا في العلاقة المحرّمة لذا حذّر المعصومون (عليهم السلام) من الاقتراب من المعصية كما ورد في الحديث الشريف: (إن لكل ملك حمى، وحمى اللّٰه محارمه، فمن رتع حول الحمى أوشك ان يقع فيه).

سابعا: يجب ان نعلم أن اللّٰه تعالى يريد بأوامره ونواهيه تحقيق السعادة والخير للإنسان، ولكن الإنسان يظلم نفسه فيختار حياة العناء والمشقة بمخالفته لما يريده اللّٰه تعالى وعدم التزامه بما عاهد اللّٰه تعالى عليه وإنه تبارك وتعالى لم ينهه عن شيء – كالأكل من الشجرة – إلا بعد أن أمّن حاجاته كلها من الحلال {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى} [طه: 118] فارتكاب الأشياء المحرمة حينئذٍ فيه ظلم كبير {فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِينَ}.

ثامنا: على الإنسان أن لا يثق بوعود إبليس وتسويلاته التي تلائم شهوات النفس الأمارة بالسوء ولا يسترخي للأحلام الوردية التي يصورها له أوَ غَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ}[الحديد: 14] {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [الأَنفال:48] بل لا بد أن ينظر في الأمور بالحكمة ودراسة العواقب.

تاسعا: إن إبليس وشياطينه من الجن والإنس ركزّوا في إغوائهم للناس على نزع لباس الستر والعفاف والحياء المادي بالتعري والكشف عمّا أوجب اللّٰه تعالى ستره، ونزع الستر المعنوي بارتكاب المعاصي وهتك لباس العفاف والحياء والورع {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } [الأعراف: 26].

ليحرمهم من جنة النّعيم والسعادة التي تتحقق بطاعة اللّٰه تعالى والحياة في رعايته ليسقط إنسانيتهم ويحوّلهم إلى حيوانات همها إشباع الغرائز وتلبية الشهوات التي لا تقف عند حد {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} [النساء: 27].

إن أبرز سمات الفرد العاصي لله تعالى والمجتمع الجاهلي البعيد عن شريعة اللّٰه تعالى هو انكشاف السوأة بكل معانيها وفقدان العفّة، وقد بالغت المجتمعات الفاسقة في هذا المجال وتتسابق في كشف العورات ولم يتبقّ لها ذرة من عفةٍ أو حياءٍ، وامتهنوا هذا الانحطاط وجعلوه سلعة لتمرير مشاريعهم الشيطانية، فهي حاضرة في الإعلانات التجارية وفي المسابقات الرياضية والفعاليات الفنية بل في سائر مظاهر الحياة.

وهم يتهمون المؤمنين بالتخلف وهم في الحقيقة أهل التخلف لأن العري كان سمة الأجيال الأولى من البشر غير المتحضّر قبل أن يتعلم أي شيء ثم لما رشد الإنسان اعتنى بالملابس للستر والتجمل والوقاية من الأضرار المتنوعة {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81].

 

لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز

لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز

كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية

كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى