
كتبت سوسن الجزراوي: يقاس تقدم الأمم بشكل عام حين يصبح التعليم جسراً إلى العمل، ويتراجع هذا حين تتحول شهادة التخرج إلى تصميم ورقي مؤطر تحتضنه الجدران الصامتة، لتصبح بالتالي محطة أخيرة في رحلة العلم.
فما بين قاعات التخرج وأبواب التوظيف تقف أجيال كاملة، لا ينقصها الطموح ولا الكفاءة ولا الحلم، وإنما تنتظر أن تتحول الوعود إلى سياسات، والخطط إلى فرص، والمعرفة إلى قيمة مضافة تسهم في بناء الإنسان والوطن، ولو توقفنا عند الأمس البعيد، حين كان الشباب يتخرجون وهم يظنون أن الشهادة هي مفتاح الباب الأخير للدخول إلى مستقبل مشرق، فإذا بها اليوم ليست سوى بطاقة دخول إلى سباق لا يعترف بالألقاب ولا يكتفي بالأوراق ولا حتى بالرصانة العلمية، فالخريج يقف على عتبة المستقبل ممسكاً بحلمه في يد، وبأسئلة كثيرة في اليد الأخرى، شاخصاً بصره إلى سوق عمل يتبدل كل يوم، ووظائف تتوارى كما تتوارى المهن القديمة، بل هي حكر بيد من يمتلك السلطة الأعلى والقرار الأقوى، ووظائف أخرى تولد قبل أن تجد لها عنواناً في القواميس.
اليوم، لم تعد القضية أن يجد الشباب وظيفة، بل أن يمتلكوا القدرة على البقاء صالحين لكل وظيفة يولدها الغد، فالعالم لم يغيّر قواعد التوظيف حسب، بل غيّر معنى الكفاءة، وأعاد تعريف النجاح وفق معطيات لا يدركها العقل السليم، ولا تقبلها الشرائع الأساسية، وهكذا صار التعلم المستمر شرطاً للبقاء، لا ترفاً للاختيار.
من هنا تحديداً، لم يعد مستقبل الشباب يُقاس بعدد الشهادات التي يحملونها، بل بقدرتهم على تحويل المعرفة إلى قيمة، والمهارة إلى فرصة، والتغيير إلى نقطة انطلاق لا إلى سبب للخوف، واذا ما وقفنا عند تفصيل يعده البعض مشهداً عابراً، إلا أنه الأشد ضرورة في حياة ومستقبل المجتمع بشكل عام، فليس أخطر على الأوطان من أن يتحول المستقبل إلى سؤال معلّق في أذهان شبابها، ولا أشد قسوة من أن يحمل الخريج شهادته بيد، وبيده الأخرى قائمة طويلة من الانتظار، ولائحة من الأحلام المؤجلة، فكل التداعيات الاجتماعية، إنما يكون سببها الأكبر، انهيار الاقتصاد وغياب فرص العمل وغياب التطور العلمي.
إن تزايد أعداد الخريجين سنوياً بشكل ملفت، يقابله واقع اقتصادي لا يستطيع، مهما بلغت إمكاناته، أن يستوعب الجميع ضمن القطاع العام، وهذه الحقيقة لا ينبغي أن نقف عندها باعتبارها أزمة توظيف حسب، بل كونها دعوة لإعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وبين مخرجات الجامعات واحتياجات الاقتصاد الوطني، فالتخصصات التي كانت مطلوبة بالأمس قد تتراجع أهميتها اليوم، فيما تظهر مهن جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، مدفوعة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، ما يجعلنا نتوقف لإعادة النظر بالأقسام بشكل عام، وتقليص ما هو أشبه بالحلقات الزائدة، لأن هذا يقلل أعداد الخريجين من فروع بلا فائدة أولاً، وإتاحة الفرصة لمنافسة علمية أهم من أجل الحصول على دراسات أكثر أهمية.
وبناء عليه يصبح السؤال الأهم: كيف نصنع اقتصاداً قادراً على توفير فرص عمل كريمة ومتنوعة؟ وكيف نهيئ الشباب ليكونوا قادرين على المنافسة في سوق يتغير باستمرار! إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب رؤية تتجاوز الحلول الترقيعية، وتنتقل من سياسة إدارة البطالة إلى سياسة صناعة الفرص.
في المقابل، ولأننا كنا نتحدث عن القطاع الحكومي، فإن القطاع الخاص، لا يمكن أن يكون شريكاً حقيقياً في معالجة تحديات التوظيف، ما لم يحظَ ببيئة اقتصادية مستقرة، وتشريعات عادلة، وضمانات تحفظ حقوق العامل وصاحب العمل معاً، فحين يشعر المستثمر بالاستقرار، ويشعر العامل بالأمان، يصبح سوق العمل أكثر قدرة على النمو، وأكثر استعداداً لاستيعاب الكفاءات الوطنية.
إن مستقبل التعيينات لا ينبغي أن يُختزل في الإعلان عن درجات وظيفية جديدة، ولا وعود برّاقة مليئة بآمال زائفة، لأن ذلك رغم أهميته في بعض القطاعات الحيوية، إلا أنه لا يمثل حلاً آمناً، فالحل الحقيقي يكمن في بناء ترسانة اقتصادية، وتعليم مرن ورصين في ذات الوقت، وشراكة فاعلة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، بما يضمن أن يتحول الخريج من باحث عن فرصة إلى صانع لها، أو على الأقل إلى شخص يمتلك خيارات متعددة تفتح له الكثير من الأبواب.
ونعود إلى الجملة الأهم: (الأمان الوظيفي)، والذي لا يمكن أن يكون وعداً سياسياً عابراً، ولا مطلباً فئوياً محدوداً، بل إنه استثمار طويل الأمد في استقرار المجتمع ككل، فحين يطمئن الإنسان إلى مستقبله المهني، دون الخوف من الاقصاء والمزاجية، يزداد انتماؤه لوطنه ويصبح أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج والمشاركة في التنمية.
وأخيراً وباعتقادي، فإن كفاءة الأنظمة التعليمية، لا تختبر عند لحظة منح الشهادات، بل عند قدرتها على فتح أبواب المستقبل أمام أصحابها، فالشهادة الجامعية ليست غاية في ذاتها، وإنما عقدٌ معنوي بين المجتمع والشباب الطامح لمستقبل أجمل، يقوم على أن الاجتهاد يقود إلى الفرصة، وأن العلم يجد مكانه الطبيعي في ميادين العمل والإنتاج، وأن القضية تتجاوز حدود البطالة إلى خلل أعمق في العلاقة بين التعليم والتنمية، وبين الطموح الفردي والتخطيط المؤسسي، بما يستوجب مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للعلم بوصفه استثماراً في الإنسان، لا مجرد (وثيقة) تُعلّق على الجدران.
لتصلك آخر الأخبار تابعنا على قناتنا على تلغرام: النعيم نيوز
لمتابعتنا على فيسبوك يرجى الضغط على الرابط التالي: النعيم نيوز
كما يمكنك الاشتراك على قناتنا على منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية
كما يمكنك أيضا الاشتراك بقناتنا على الانستغرام: النعيم نيوز



